← المكتبة ▭ 1 page
تيسير التفسير للقطان
إبراهيم القطان التفسير 1404 هـ
A− A+
289 · ص97 · ج1
كتب: فرض. القصاص: ان يُقتل القاتل. الألباب: جمع لب وهو العقل. {ياأيها الذين آمَنُواْ} هذا نهج الآيات المدنية فانها تصدر بهذا النداء، والحكم لجميع الناس. فُرض عليكم القصاص في القتلى. . . وهو قتْل من قَتل نفسا عامداً متعمداً، ففي ذلك العدل والمساواة. لقد كان القصاص في الجاهلية خاضعاً لقوة القبائل وضفعها، فبعضهم كان لا يكتفي بقتل القاتل الفرد بل يطلبون قتل رئيس القبيلة، وبعضهم كان يطلب قتل عدد من الأشخاص بدل المقتول. وهذا ظلم كبير. فجاء الاسلام بالعدل والمساوة وفرض قتل القاتل فقط. ثم خصّصت الآية فنصّت على بعض الجزيئات {الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} تأكيداً لإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من فرض عدم التساوي في الدماء. اما الحكم في الاسلام فهو ان يُقتَل القاتل سواء كان حراً قتل عبدا أو بالعكس. وذلك لأن هذا جاء واضحاً في قوله تعالى: {النفس بالنفس} كما جاء في سورة المائدة. ولكن، إذا قتل رجل ولده، اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من رأى يُقتل الولد كالإمام مالك، وذلك في حالة ما اذا أضجعه وذبحه بالسكين. ومنهم من قال لا يُقتل به، وهم الأغلب. وكذلك اذا قتل جماعة رجلاً واحداً. . فجمهور العلماء انهم يقتلون به. كذلك فعل عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عن هما. واختلفوا في قتل المسلم ذميا، فبعضهم قال لا يقتل به وهم الاغلب، وقال البعض يقتل به. وبعد ان بين سبحانه وتعالى وجوب القصاص، وهو أساس العدل، ذكر تشريع العفو ليوجّه النفوس اليه، ويثير في سبيله عاطفة الاخوة الانسانية فقال تعالى ما معناه: فمن عفى لهم من اخيه شيء فأتباع بالمعروف وأداء اليه باحسان. وذلك ان القاتل اذا حصل له تجاوز عن جنايته من ولي الدم، فيجب ان يكون تعاملهما بما يشرح الصدور، ويذهب بالأحقاد: على أخيه ان يُتْبع عفوه بالمعروف فلا يثقل عليه في البذل، ولا يحرجه في الطلب. اما القاتل المعفوّ له عن جنايته فعليه ان يقدر ذلك العفو، فلا يبخص صاحبه حقه، ولا يمطله في الأداء. وهنا تظهر عظمة الاسلام في القصاص، فقد نظر الى أمرٍ لم ينظر اليه القانونيون، وهو ان جعل القصاص هو رفع الاعتداء في القتل بقتل القاتل، فان سمت نفوس اهل الدم فآثروا العفو وجب لهم دية قتيلهم. وعلى أولياء الدم إتباع هذا الحكم بالتسامح، وعلى القاتل أداء الدية دون مماطلة أو بخس. ذلك هو الحكم الذي شرعناه لكم من العفو عن القاتل والاكتفاء بقدر من المال وهو تخفيف ورخصة من ربكم ورحمة لكم. فمن اعتدى وانتقم من القاتل بعد العفو والرضى بالدية فله عذاب أليم من ربه يوم القيامة.
290 · ص97 · ج2
الانفال: جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة. ذات بينكم: فيما بينكم. وجلت قلوبم: فزت وخافت. خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً الى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله، وليكون للمسلمين دولة. وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والانصار، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء، ليكلا يُفتَن أهلُ الايمان. فكانت غزوة بدر، وكان فيها النصر المبين والغنائم. وكان وراء الغنائم فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع الى المادة، وهو من اكبر اسباب الفشل. فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية ان يتلقى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم. يسألونك أيها الرسول عن الغنائم. لمن هي؟ وكيف تقسم، أللشُبّان أم للشيوخ؟ أو للمهاجرين هي، أم للانصار؟ ام لهم جميعا؟ . قل لهم أيها الرسول: إنها لله والرسول، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها، فاتركوا الاختلاف بشأنها، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم، وأصلحوا ما بينكمن فاجعلواالصلاة بينكم محبة وعدلا. هذه صفةُ أهل الايمان. ثم وصف الله تعالى المؤمنين المخلصين في ايمانهم بأنهم هم الذين اجتمعت فيهم خصالٌ خمس: (١) {الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الذين اذا ذكَروا الله بقلوبهم فزِعوا لعظمته وسلطانه، وامتلأت قلوبهم هيبة. (٢) {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وكلّما تليت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخا، وازداودا إعاناً وعلما. (٣) {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ولا يعتمدون الا على الله الذي خلَقَهم، ولا يفوّضون أمرهم الى سواه. ومعنى التوكل: ان نسعى للعمل كما أمرنا الله راجين منه التوفيق في سعينا مؤمنين بان العمل شرط أساسيُّ للتوكل. (٤) {الذين يُقِيمُونَ الصلاة} واولئك المؤمنون الصادقون في ايمانهم، يؤدون الصلاة مستوفية الاركان، كاملة الخشوع والخضوع، وبهذا تحصل ثمرة الصلاةالتي تنهى عن الفحشاء والمنكر. (٥) {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} وينفقون بعض ما رزقناهم من المال في الجهاد والبِرِّ ومعاونة الضعفاء، وفي مصالح الأمة ومرافعها العامة. {أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً. . .} هؤلاء، هم الذين يوصفون بالامان حقا وصدقا. ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله، وهو الذي يمنحهم رضاه، ويغفر لهم سيئاتِهم، ويرزقهم رزقاً طيباً كريما في الحياة الدنيا، ونعيماً دائماً في الآخرة.
→ prev 289–290 / 1460 next ←