965 · ص966 · ج3
وأما أبو عمرو فقال أبو عبد الرحمن، وإبراهيم في حكاية العبّاس عنه، وأبو حمدون عن اليزيدي عنه: لا يمدّ ولا يهمز في كل القرآن، وكذا قال أبو عبيد عن شجاع عنه، زاد إبراهيم على معنى أنتم فصيرت الهمزة هاء «١»، وزاد أبو حمدون عن اليزيدي، قال «٢»: قال أبو عمرو: وإنما هي أنتم ممدودة، فجعلوا مكان الهمزة هاء والعرب تفعل هذا «٣».
وقال إبراهيم في حكاية عبيد الله «٤» عنه وإسحاق وإسماعيل وأبو جعفر واليزيديون وابن سعدان وابن شجاع وأبو عمر «٥» وأبو خلاد وأبو شعيب: ممدودة غير مهموزة. وقال: أنا محمد بن أحمد عن ابن مجاهد عن أصحابه عن نافع وأبي عمرو:
ممدود غير مهموز استفهاما «٦»، وبذلك قرأت في رواية شجاع وفي كل الطرق عن [١٥٣/ ت] اليزيدي «٧».
قال أبو عمرو: هذه الكلمة من أشكل حروف الاختلاف وأغمضها وأدقّها، وتحقيق المدّ والقصر اللذين ذكرهما الرواة عن الأئمة فيها حال تحقيق همزتها وتسهيلها لا يتحصل إلا بمعرفة الهاء التي في أولها هي للتنبيه أم مبدلة من همزة، فبحسب «٨» ما يستقر عليه من ذلك في مذهب كل واحد من أئمة القراءة يقضي للمدّ والقصر بعدها. ونحن نبيّن ذلك ونكشف على خاصّ سرّه على وجه الاختصار ليقف الماهرون من طالبي الحروف على حقيقته إن شاء الله تعالى.
اعلم أن الهاء التي في هذه الكلمة تحتمل وجهين: [١٩٩/ م]
(١) ذكر ابن الجزري هذه الرواية عن أبي عمرو في النشر ١/ ٤٠١.
(٢) لعل المراد بقائل" قال" الأولى: أبو داود سليمان بن نجاح.
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن ١/ ٢٦٩، الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٤) عبيد الله بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك، أبو القاسم بن اليزيدي العدوي البغدادي، شيخ مشهور، روى القراءة عن عمه إبراهيم بن أبي محمد، روى القراءة عنه ابن مجاهد، توفي سنة أربع وثمانين ومائتين. غاية ١/ ٤٩٢.
(٥) في (م) " عمرو"، وهو خطأ.
(٦) انظر: السبعة ص ٢٠٧.
(٧) وهذه الرواية ذكرها الداني في التيسير ص ٨٨، وابن الجزري في النشر ١/ ٤٠١.
(٨) في (م) " فيحسب" وهو خطأ.
966 · ص967 · ج3
أحدهما: أن تكون مبدلة من همزة الاستفهام والأصل أأنتم بهمزتين دون ألف فاصلة بينهما «١» تكون مانعة «٢» بينهما، وأبدلت الهمزة هاء في ذلك كما أبدلت في قوله: هياك، وهرقت الماء، والأصل: إياك، وأرقت «٣» لتقرب مخرجهما، وكما أبدلهما الشاعر في قوله:
وأتى صواحبها فقلن هذا الذي ... منح المودة غيرنا وجفانا «٤»
يريد أذا الذي، فهي في هذا الوجه وما اتصلت به كلمة واحدة لا ينفصل حرف منها عن صاحبه.
والوجه الثاني: أن يكون للتنبيه والأصل ها أنتم ها دخلت على أنتم كما دخلت على أولاء في قوله هؤلاء فهي «٥» في هذا الوجه، وما دخلت عليه كلمتان منفصلتان يسكت على إحداهما ويبتدأ بالثانية «٦»، فأما ما يحتمله من هذين الوجهين في مذهب أهل التحقيق، وهم الكوفيون وابن عامر من طريق ابن ذكوان ومن تابعه من أصحابه.
وابن كثير من طريق البزّي، وابن فليح، فوجه واحد: وهو أن تكون للتنبيه لا غير؛ لأن من قولهم لا يفصلون بين الهمزتين في الاستفهام بألف، وقد جاءت ألف هاهنا فاصلة بين الهاء والهمزة، فعلم من ذلك أنها المتصلة بالهاء المسكوت عليها دون الفاصلة بين الهمزتين في الاستفهام وطردا لمذهبهم في ذلك، وقد قدّمنا أن ابن كثير يقصر مدّها لكونها مع الهمزتين كلمتين، وأمّا ما يحتمله في مذهب ابن كثير من طريق القوّاس، وفي مذهب ورش من طريق الأصبهاني من ذلك، فوجه واحد أيضا، وهو أن تكون مبدلة من همزة لا غير لعدم وجود ألف في اللفظ بينهما وبين الهمزة.
ولو كانت للتنبيه لم يكن بدّ من وجود ألف بينهما، وهي الألف المتصلة بالهاء، وكذا
(١) " بينهما" سقطت من (ت).
(٢) في (م) " يكونا لغة" وهو خطأ.
(٣) انظر: مختار الصحاح، مادة (اى ا) ص ٣٥.
(٤) البيت لجميل بن معمر، وهو من بحر الكامل.
وانظر: معجم شواهد العربية ١/ ٣٨٧.
(٥) في (م) " نهى" وهو خطأ.
(٦) وانظر: التبيان في إعراب القرآن ١/ ٢٦٩.