← المكتبة ▭ 1 page
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
مجموعة من المؤلفين الجوامع
A− A+
179 · ص179
٤ - الجاهلية لغة: مأخوذة من الفعل (جهل)، والجهل معناه: خلاف العلم. يقول الراغب: الجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم، الثانى: اعتقاد الشىء بخلاف ما هو عليه، الثالث: فعل الشىء بخلاف ما حقه أن يفعل (١). وقد وردت مشتقات الكلمة فى القرآن الكريم بمعنى: ١ - الخلو من المعرفة، كقوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} البقرة:٢٧٣. ٢ - الطيش والسفه، كقوله تعالى: {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} يوسف:٨٩. ٣ - بمعناها معا كقوله تعالى: {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} الأنعام:١١١. اصطلاحا: اصطلح المؤرخون على أن لفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال، ومعناها الصفات المرذولة التى كانت عليها الأمة قبل الإسلام من الجهل بالله وبرسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر .. إلخ، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم لأبى ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية) (رواه البخارى) (٣) أى حال أو طريقة أو عادة جاهلية أو نحو ذلك. وقد يكون اسما لذى الحال، أى الزمان، ومعناها: المدة التى كانت قبل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: زمن الكفر مطلقا، وقيل: ما قبل الفتح، وقيل ما كان بين مولد النبى والمبعث، وبهذا قال ابن حجر، ومنه قوله تعالى: {يظنون بالله غيرالحق ظن الجاهلية} آل عمران:١٥٤، وذلك لما كان عليه العرب من فاحش الجهالات فى العقيدة والعبادة والتشريع والمعاملات والأخلاق التى انتقلت إليهم وشاعت بينهم وتأصلت فى نفوسهم حتى صارت دينا حل محل الحنيفية السمحة (٣). وعلى هذا نقول: طائفة جاهلية، وشاعر، جاهلى، نسبة إلى الجهل، لأن من لم يعلم الحق فهو جاهل، فإن اعتقد خلافه أو قال بخلاف الحق عالما به أو غيرعالم فهو جاهل، كقوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} الفرقان:٦٣. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل) (رواه أبو داود) (٤). أى لا يعمل بعمل الجاهلية من السفه والغضب والأنفة والحمية والمفاخرة، ومنه قول عمرو بن كلثوم فى معلقته: ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا أى لا يسفه أحد علينا فنسفه عليه فوق سفهه، أى نجازيه به جزاء يزيد عليه. وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإنما علم أنه مخالف للحق، كما قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريبا} النساء:١٧، لأن العلم الحقيقى الراسخ فى القلب يمتنع أن يصدر عنه ما يخالفه من قول أو فعل، فإن صدر ما يخالفه كان جهلا، وعلى ذلك كان الناس قبل البعثة النبوية فى جاهلية وكل ما يخالف ما جاء به المرسلون من أفعال اليهود والنصارى، وتلك كانت الجاهلية العامة. أما بعد البعثة فقد مضى زمانها بمجىء الإسلام، وإن بقيت أحوالها وعاداتها بين الإطلاق والتقييد. فالمطلقة قد تكون فى بلد دون بلد، كما هى فى غير ديار الإسلام، وقد تكون فى بعض الأشخاص دون بعض، كالرجل قبل أن يسلم وإن كان فى دار الإسلام. والمقيدة قد تكون فى بعض ديار المسلمين وفى كثير من الأشخاص المسلمين؛ لقول صلى الله عليه وسلم (أربع في أمتى من أمرالجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب، والطعن فى الأنساب والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) رواه مسلم (٥). فهذه كلها جاهلية، وهى من المعاصى التى لا يكفر صاحبها. وقد اختلف المؤرخون فى تحديد الفترة الزمنية للجاهلية على أقوال، منها أنها بين آدم ونوح، أو بين نوح وإدريس، أو بين موسى وعيسى، أو بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال هى الفترة بين كل نبيين، والراجح أن الفترة الزمنية للجاهلية تبدأ من عصور ما قبل التاريخ، وتنتهى بالبعثة النبوية فى القرن السابع الميلادى، وعلى هذا لا يصح مطلقا أن يوصف المجتمع المسلم بأنه جاهلى، بخلاف الأفراد، فإنه يمكن إطلاق لفظ الجاهلية على الشخص إن وقع فى فعل جاهلى. أ. د/خليفة حسن العسال
الهامش: ١ - معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص١٠٠ - دار الكتاب العربى تحقيق نديم مرعشلى. ٢ - صحيح البخارى مع الفتح ١/ ١١٩ كتاب الإيمان باب المعاصى من أمر الجاهلية. ٣ - بلوغ الأرب ش معرفة أحوال العرب الألوسى ١/ ١٥ ط ثانية سنة ١٩٢٣ نشر المطبعة الرحمانية بمصر. ٤ - سنن أبو داود ٢/ ٣٠٧ كتاب الصوم. ٥ - صحيح مسلم: ٢/ ٦٤٤ كتاب الجنائز باب التشديد فى النياحة. مراجع الاستزادة: ١ - المحجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم -نشر مجمع اللغة العربية- القاهرة سنة ١٩٧٠م. ٢ - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام د/جواد على مكتبة النهضة بغداد سنة ١٩٧١م. ٣ - فجر الإسلام أحمد أمين النهضة المصرية ط٨ سنة ١٩٦٠
180 · ص180
٥ - الجَبْر (الاختيار) لغةً: الجبر مأخوذ من الفعل الرباعى أجبر على وزن أفعل بمعنى أكرهه وقهره على الفعل بغير إرادة من الفاعل ولا اختيار فيه، وضده الاختيار فهو يدل على إرادة الفاعل واختياره لفعله بإرادته وقدرته، وقد يجىء لفظ الجبر من جبَر الثلاثى لكنه قليل، ومنه الجبار صفة من صفات الله تعالى، ولا يذكر منفردا وإنما يأتى مقرونا بلفظ المنتقم كما فى أسمائه الحسنى الجبار المنتقم. واصطلاحاً: والجبر والاختيار مذهبان مشهوران فى علم الكلام فالمعتزلة يقولون بالاختيار المطلق للعبد فى فعله حيث يقع منه الفعل بإرادته وقدرته المستقلة عن قدرة الله وإرادته، أما الأشاعرة فيقولون بالكسب ومعناه عندهم أن الفعل يقع بقدرة الله المطلقة مقارنا لقدرة العبد الحادثة. وأول من قال بالجبر فى الإسلام هو الجهم بن صفوان (ت: ١٢٨هـ) والإنسان عنده مقهور على فعله وهو كالريشة المعلقة فى الهواء تحركها الرياح كيف تشاء، ولقد أظهر الجهم مقالته فى الجبر حين أظهر المعتزلة مقالتهم فى نفى القدر وقالوا إن الأمر أنف وأنه لا قضاء والإنسان حر فى أفعاله وتقع منه بإرادته وقدرته مستقلا عن قدرة الله وإرادته، ثم صار لفظ الجبر لقبا على الجهم واتباعه الجهمية من بعده، وهو ليس لفظا شرعيا، لم يرد فى نص صحيح من الكتاب والسنة ولم يعرف فى عصر الخلافة الراشدة وكان السلف يتحرجون من استعماله نفيا أو إثباتا لأنه لفظ مجمل، والذى ورد فى الحديث الصحيح لفظ جبل حين قال - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: "إن فيك لَخُلُقَيْن يحبهما الله ورسوله. قال: أخُلقين تخلقتُ بهما أم جُبْلت عليهما فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل جُبلت عليهما". فقال الأشج: الحمد لله الذى جبلنى على ما يحبه الله ورسوله. وقيل: إن الجهم أخذ مقالته فى الجبر ونفى الصفات عن الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد ثم شاعت مقالته فى العصر الأموى، وقيل إن خلفاء بنى أمية استغلوا القول بالجبر لتثبيت سلطانهم وتنفيذ سياستهم فى الرعية، والمعتزلة يطلقون على الأشاعرة لفظ الجبرية، ويتبرأ الأشاعرة من هذه الصفة ويطلقونها بدورهم على الجهم والجهمية وتنقسم الجبرية إلى ثلاثة أقسام: ١ - جبرية خالصة: وهم الجهمية القائلون بالجبر المطلق وأن قدرة الإنسان لا أثر لها فى الفعل الإنسانى. ٢ - جبرية متوسطة: وهم يثبتون القدرة للعبد لكن ليس لها أثر فى فعله، ولا تصلح هذه القدرة لفعل الضدين وهذه القدرة هى مناط التكليف الشرعى. ٣ - القائلون بالكسب وهم الأشاعرة ويثبتون للعبد قدرة على الفعل ويسمون مباشرة قدرة العبد لفعله كسبا، ولا يسمون ذلك خَلْقَاً للفعل. ويحتج كل فريق من القائلين بالجبر والاختيار على مذهبه بآيات من القرآن الكريم ليفند بها مذهب الفريق الآخر. فمن الآيات التى يحتج بها القائلون بالجبر قوله تعالى: {فعَّال لما يريد} (البروج ١٦). {الله خالق كل شىء} (الزمر ٦٢) {ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى} (السجدة ١٣). ومن الآيات التى يحتج بها القائلون بالاختيار قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (الزلزلة ٧، ٨) {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف ٢٩). ويحاول كل فريق من القائلين بالجبر والقائلين بالاختيار أن يؤول هذه الآيات على طريقته الخاصة ليؤيد بها رأيه ويفند رأى الفريق الآخر. أ. د/ محمد السيد الجليند
المراجع ١ - لسان العرب، لابن منظور، مادة جبر، اختيار. ٢ - الفصل فى الملل والنحل، لابن حزم، ط، دار الفكر العربى، بيروت، بدون تاريخ. ٣ - قضية الخير والشر فى الفكر الإسلامى د/ محمد السيد الجليند ط الحلبى ١٩٨٠م، القاهرة ٤ - شفاء العليل لابن القيم، ط- دار التراث بالقاهرة ٥ - الجهم بن صفوان وأراؤه الكلامية، خالد العلى، ط بغداد ١٩٦٥ م. ٦ - الملل والنحل، للشهرستانى، ط- دار الفكر العربى، بيروت، بدون تاريخ.
→ prev 179–180 / 686 next ←