283 · ص283
٨ - الدستور
يقصد بالدستور القانون الأساسى الذى يوضح النظام السياسى الذى تتبناه الدولة والسلطات الرئيسية التى تمارس مهمة الحكم فيها، والعلاقة بين هذه السلطات، كما يتضمن الدستور المبادئ العامة التى يجب أن تسير عليها هذه السلطات، مغفلاً عن حقوق الأشخاص وواجباتهم.
وبعبارة أخرى فهو الوثيقة الرئيسية التى تحكم عمل سلطات الدولة وتوجه السياسات التشريعية والتنفيذية والقضائية التى يجب أن تتبع فى كل دولة.
فبداية يوضح الدستور شكل الدولة إذا كانت ملكية أو جمهورية مثلا، كما يوضح النظام السياسى الذى تقدم عليه، فكثير من الدول تتبنى النظام الاشتراكى، وتتبنى غيرها النظام الرأسمالى، وهكذا. وتوضح نصوص الدساتير فى جملتها ما إذا كانت الدولة تأخذ بالنظام الرئاسى الذى يجعل رئيس الدولة هو حجر الزاوية فى النظام السياسى، وتجعل السلطة التنفيذية كلها بيديه، كما نرى فى الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، أم أن الذى يمارس الحكم هو الحكومة المشكلة من الحزب صاحب الأغلبية فى البرلمان، وضرورة أن تكون هذه الممارسة بالتعاون بين الحكومة والبرلمان. فالنظام الأول يسمى النظام الرئاسى، والنظام الثانى، يسمى النظام البرلمانى. توضح الدساتير المعالم الرئيسية للنظام السياسى الذى تقوم عليه الدولة.
وقد استقرت دساتير معظم الدول، إن لم يكن كلها الآن- على ضرورة وجود سلطات ثلاث للحكم هى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. وتقر الدساتير مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، مع وجود قدر من التعاون بينها، يختلف من دولة إلى دولة، ومن نظام إلى نظام.
وتبين الدساتير المقدمات الأساسية التى يقوم عليها نظام الدولة كاحترام الأسرة وجعلها الخلية الأساسية للمجتمع كما نرى فى الدستور المصرى، والاعتراف بالملكية الفردية واحترامها، واحترام الأديان وعدم المساس بقدسيتها، إلى غير ذلك من المقومات.
ويعتبر إقرار حقوق الأفراد وواجباتهم، من أهم الأمور التى تتولاها الدساتير واضعة بذلك الخطوط الرئيسية لهذه الحقوق والواجبات، تاركة للتشريعات والقوانين المختلفة، مهمة تفصيل مدى الحقوق والقيود التى توضع على ممارستها. ولم يعد هناك دستور لا يتضمن النص على حق الحياة وحمايته، وحرية الرأى بضماناته، وحرية العقيدة، واحترام الحقوق المتصلة بممارستها فضلا عن ضمانات تحقيق العدالة فى المجتمع.
وتحرص مختلف الدساتير على جعل القضاء سلطة حامية للحقوق وحريات المجتمع واضعة الضمانات التى تمكنه من ممارسة هذه المهمة الجليلة فى المجتمع. وكثيرا ما يقال إن الدولة الإسلامية لم تعرف دستورا، كما يقال كثيرا إن القرآن هو دستور الدولة الإسلامية. وهذه الأقوال لا تعبر عن الحقيقة. لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما ذهب إلى المدينة وقام ببناء الدولة بها، وضع دستورا مكتوبا نجده بنصه فى سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام أى لم ينقل عن طريق الراوية وإنما يرجح أنه كتب على وسيط مما كانت تكتب عليه الأمور الهامة وانتقل إلينا بهذا الشكل. ويطلق تاريخيا على هذا الدستور مصطلح "الصحيفة". وتروى الكتب أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: جمع القبائل وبطون الطوائف التى كانت تعيش فى المدينة من مهاجرين وأنصار ووثنيين ويهود فى منزل دمنة بنت الحارث- وكانت يهودية- وجلسوا جميعا فى فناء هذا المنزل الفسيح وقرأ عليهم الصحيفة وأقرها- وهى من حيث النشأة- أتى بها الاتفاق الصريح بين أهل المدينة- ومن حيث مضمون ما وجد بها من مسائل دستور كامل. فقد أوضحت من يملك مهام السلطات الثلاث، كما أوضحت عناصر بناء الدولة من إقليم وشعب وسلطة، وأوضحت كذلك حقوق وواجبات من يتلو أحكام الصحيفة، والمهم أنها جعلت الصحيفة الأساس لقيام هذا المجتمع وممارسة سلطاته فى وقت لم يكن المجتمع الدولى قد عرف ذلك. لأن الصحيفة وضعت فى العام الأول للهجرة.
أ. د/ جعفر عبد السلام
المراجع
١ - دستور المدينة: جعفر عبد السلام مجلة كلية الشريعة- جامعة الأزهر.
٢ - القانون الدولى، العدد الثالث ص٢١٩ وما بعدها.
٣ - نص من نصوص الوثيقة من مجموعة وثائق الدولة الإسلامية لمحمد حميد الله.
284 · ص284
٩ - الدعوة سرا وجهرا
لغة: اسم من الفعل (دعا) ومعناها: مطلق الطلب لأى شىء حسى كطعام أو معنوى كفكرة (١) وعند ابن فارس: هى فن الإمالة للجمهور نحو شىء معين بأى وسهيلة متاحة. (٢).
واصطلاحا: ورد فى تعريفها عدة تعريفات منها:
"العلم الذى به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق (٣).
أو هى "تبليغ الإسلام للناس وتعليمهم إياه وتطبيقه فى مواقع الحياة " (٤) أو "هى برنامج كامل يعم جميع المعارف التى يحتاج إليها الناس ليبصروا الغاية من محياهم وليستكشفوا معالم الطريقة التى تجمعهم راشدين. (٥)
أو هى فن يستميل الناس إلى الإسلام بالوسائل المناسبة ليتعلموه ويطبقوه فى واقع الحياة".
والدعوة بهذا المفهوم:
إما أن نتوجه بها إلى غير المؤمنين بالإسلام لنكشف لهم عن محاسن هذا الدين واستقامة عقيدته ونبل مقاصده وعظمة تشريعاته وغالبا ما يكون ذلك فى المجتمعات غير الإسلامية كأوربا وأمريكا وغيرها.
وإما أن نتوجه بها إلى المؤمنين به والمعتنقين له لنأخذ بأيديهم ونبصرهم حتى يعملوا بمقتضى مبادى هذا الدين ويسيروا على نهجه الذى اختاروه فى العقيدة والعبادة والسلوك والأخلاق والمعاملات.
وعلى كل فإن كلمة الدعوة من الألفظ المشتركة التى تطلق على الإسلام كدين وعلى عملية نشره وتبليغه للناس، وسياق الكلام هو الذى يحدد المعنى المراد فمثلا إذا قيل: هذا من رجال الدعوة إلى الله كان معنى الدعوة هنا محاولات النشر والتبليغ، وإذا قيل: اتبعوا دعوة الله كان المراد الإسلام.
وإذا ذكرت على إطلاقها فإنها تنصرف عرفا إلى محاولة نشر الإسلام وتبليغه للعالمين، وهو المعنى الذى تواردت عليه معظم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وخير من قام بتبليغ الدعوة هو الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أعده الله لها وهيأه لحملها ثم كلفه بتبليغها حين نزل عليه قوله تعالى: {ياأيها المدثر. قم فأنذر} المدثر:١ - ٢.
فبدأ النبى صلى الله عليه وسلم دعوته سرا يدعو كل من وثق فيه إلى عبادة الله، وكان يلتقى بالأولياء والأصدقاء المقربين، وكان أول من آمن به من النساء زوجته، ومن الصبيان على بن أبى طالب، ومن الموالى زيد بن حارثه، ومن الرجال أبو بكر الصديق الذى أسلم على يديه كثير من الأحرار والعبيد، وظلت الدعوة سرية حوالى ثلاث سنوات أسلم فيها ثلاثة وخمسون شخصا بينهم عشرنساء. (٦).
وإنما كانت الدعوة خفية ابتداء لتتكون خلية الإسلام، فالخلايا يكون بذر البذور فيها بالكتمان؛ لأن الجهر يبددها قبل أن تتكون حتى يبدو عودها ويتكون سوقها، فكل فكرة جديدة لابد أن تلتقى حولها قلوب مؤمنة بها، ويكون بعد ذلك إعلانها والمجاهرة بها.
ولم تكن السرية فى هذه الدعوة استخفاء بالدعوة فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلن ما جاء من نذير وما عنده من تبشير ولكن الذى كان يستخفى به هو إقامة العبادة ومدارسة الاسلام فى دار الأرقم بن أبى الأرقم. (٧).
ومكث عليه الصلاة والسلام يدعو سرا حتى نزل عليه قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} الشعراء:٢١٤.
وقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} الحجر:٩٤.
فبدل بالدعوة سرا الدعوة جهرا ممتثلا أمر ربه واثقا بنصره ووعده.
وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشيرته الأقربين، فصعد على الصفا فجعل ينادى: يا بنى فهر، يا بنى عدى، يا بنى عبد مناف، ثم نادى بطون قريش حتى اجتمعوا إليه فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج ارسل رسولا لينظر الخبر فجاء أبولهب بن عبد المطلب وقريش فقال عليه الصلاة والسلام: (أرايتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغيرعليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ماجربنا عليك كذبا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبولهب تبالك ألهذا جمعتنا) فأنزل الله شأنه: {تبت يدا أبى لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب} المسد:١ - ٣ (٨)؛ وهكذا دمغه الوحى بهذه الآيات البينات التى كانت بمثابة التشجيع للنبى صلى الله عليه وسلم ليستمر فى دعوته ويمضى إلى غايته، فكانت حافزا قويا على النشاط فى إذاعتها والمضى فى سبيل انتشارها، كما كانت سابقة فأل ومقدمة بشارة بأن الله سينصر الحق على الباطل ويتم نوره ولو كره المشركون.
وقد وجه النبى صلى الله عليه وسلم دعوته فى السر والجهر بإصرار وثبات، وصادف من بيئته جمودا ومعارضة تمثلت فى ردود فعل مختلفة أقلها تعذيب أتباعه، ثم مقاطعتهم ثم محاولة قتله بوصفه صاحب اللواء فإذا سقط انتهت دعوته ولكن الله عصمه، ونصره بالهجرة وامتن عليه بالفتح حتى إذا صار للإسهلام الكلمة العليا في الجزيرة العربية، فاضت الوحدانية بالنور إلى الأقاليم المجاورة إقليما بعد إقليم.
أ. د/خليفة حسين العسال
الهامش:
١ - المعجم الوسيط مادة (دعا) مجمع اللغة العربية القاهرة ١٩٨٥م ١/ ٢٨٦.
٢ - مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون ٢/ ٢٧٩.
٣ - د/أحمد غلوش: الدعوة الإسلامية دار الكتاب العربى اللبنانى ١٩٧٨م ط١.
٤ - المدخل إلى علم الدعوة: د/محمد أبوالفتح البيانونى: طبع أولى مؤسسة الرسالة بيروت ١٩٩١م ص١٦ - ١٧.
٥ - مع الله: محمد الغزالى: ط٣ مطبعة مخيمر١٩٦٥م ص١٧.
٦ - السيرة النبوية ابن هشام ط٢ نشر الحلبى ١٩٥٥م ١/ ٢٥٤ - ٢٦٥.
٧ - فى ظلال القرآن سيد قطب ط٧ دار الشروق ١٩٧٨، ٦/ ٣٧٥٠ - ٣٧٥٥.
٨ - البخارى مع الفتح كتاب التفسير ٩/ ٧٦٣ كتاب التفسير