295 · ص295
٢ - الذِّكر
ورد الذكر فى القرآن الكريم فى مواضع عديدة تبياناً لمنزلته العظمى فى مقام الإيمان بوجه عام، ومقام الإحسان بوجه خاص. وقد أمر به النبى - صلى الله عليه وسلم -، كما أمر به المؤمنون، قال تعالى:} واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة .. {(الأعراف ٢٠٥)، وقال:} يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيراً {(الأحزاب ا ٤). والذكر فى القرآن هو أفضل الطاعات وأكبرها:} ولذكر الله أكبر {(العنكبوت ٤٥) بل هو الغاية من "الصلاة" التى هى أشرف الطاعات:} وأقم الصلاة لذكرى {(طه ١٤). والأحاديث الصحيحة الواردة فى فضل الذكر كثيرة أيضاً، منها- على سبيل المثال-: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " سبق المفرّدون " قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات " (١).
والذكر- عند الصوفية- على ضربين: ذكر باللسان وذكر بالقلب، والأول وسيلة إلى الثانى: والثانى أهم من الأول، والأول من شأن العوام، لأنه قد يحصل مع غفلة القلب. بخلاف الثانى فإنه من شأن الخواص من المقربين. لكن المريد الكامل هو الذى يجمع بين ذكر اللسان وذكر القلب. والذكر الممدوح فى النصوص الشرعية- فيما يقول الصوفية- هو ما كان مضبوطاً بقواعد الحلال والحرام والأدب، ولذلك ينكرون حلقات الذكر المصحوبة بالألحان والرقص واختلاط الرجال بالنساء، ويكرهون حضور المجالس إلى يُتلى فيها القرآن بالألحان، أو تُنشد فيها الأشعار مع التواجد والطرب (٢).
وبعض الشيوخ يقولون: إن الأفضل للمريد أن يقيم على ذكر واحد يلتزمه، ومن هؤلاء من يصرح بأن ملازمة ذكر واحد أفضل من تلاوة القرآن. لكن المحققين منهم يردون هذا القول، وبخاصة: السهروردى الذى يقول فى كتابه عوارف المعارف (على هامش علوم الدين، ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥): "ولابد للمبتدئ أن يكون له حظ من تلاوة القرآن، ولا يصغى إلى قول من يقول: ملازمة ذكر واحد أفضل من تلاوة القرآن، فإنه يجد فى القرآن فى الصلاة، وفى غير الصلاة، جميع ما يتمنى، وإنما اختار بعض المشايخ أن يديم المريد ذكرا واحداً ليجتمع الهم فيه، ومن لازم التلاوة، فى الخلوة وتمسك بالوحدة، تفيده التلاوة والصلاة أوفى ما يفيده الذكر الواحد ".
ويدل على علو منزلة الذكر أنه غير محدد بوقت معين، فهو أدوم العبادات وأسرعها ثمرة للعبد، والصلاة فى كونها أشرف العبادات تجوز فى وقت ولا تجوز فى وقت آخر. والذكر أفضل من الفكر، لأن الله يتصف به ولا يتصف بالفكر، قال تعالى:} فاذكرونى أذكركم {(البقرة ١٥٢). ودرجات الذكر ثلاث: الذكر الظاهر: وهو ما كان باللسان والقلب معا، والذكر الخفى: وهو ذكر القلب بوارداته وتجلياته، والذكر الحقيقى: وهو ذكر الله لعبده مع تخلص العبد من رؤية الذكر، وبعضهم يقول: إن بقاء الذاكر شاهدا لذكره أفضل من فنائه عن شهود الذكر، لأن طريق البقاء أسلم فى عواقبه من طريق الفناء، ويشترط متأخروا الصوفية "شيخ التربية" فى تلقين الذكر للمريد فى بادئ أمره. ولهم فى كيفية التلقين وآداب الذكر وحركاته كلام كثير، ولهذا أيضا فى أنواع الذكر ودرجاته تقسيمات أخرى يضيق عنها المقام.
أ. د/ أحمد الطيب
١ - رواه مسلم فى صحيحه: كتاب الذكر والدعاء … ، باب: الحث على ذكر الله.
٢ - اللمع، أبو نصر السراج: بتحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقى سرور، ص٣٧٢ - ٣٧٤ دار الكتب الحديثة بمصر ١٣٨٠ هـ- ١٩٦٠م، نتائج الأفكار القشيرية فى بيان معانى شرح الرسالة القشيرية، مصطفى العروسى (شيخ الإسلام)، ١: ١٥٤، ط بولاق مصر ١٢٩٠هـ.
المراجع
٢ - التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذى، ١٠٣ ط- عيسى الحلبى، القاهرة ١٣٨٠ هـ- ١٩٦٠م.
٢ - الرسالة القشيرية، القشيرى، ١١٠ - ١١٣، ط. مصطفى الحلبى، القاهرة ١٣٥٩ هـ- ١٩٤٠ م.
٣ - مدارج السالكين شرح منازل السائرين للهروى الأنصارى ابن القيم، ٢: ٤٢٣ - ٤٣٧ مطبعة السنة المحمدية، القاهرة ١٣٧٥ هـ.
٤ - لطائف الإعلام فى إشارات أهل الإلهام، عبد الرازق القاشانى، ١: ٤٦٨ - ٤٧١، ط. دار الكتب المصرية ١٩٩٥ م.
٥ - منارات السائرين ومقامات الطائرين، ابن شاهاور الرازى، تحقيق سعيد عبد الفتاح، ص ٣٩٥، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩م.
296 · ص296
٣ - الذمة
لغة: العهد، لأن نقضه يوجب الذم، وتسمية المعاهد بالذمى نسبة إلى الذمة بمعنى العهد (١)، وفسر قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم " (٢) بالأمان و"من صلى الصبح فهو فى ذمة الله"، والذمة أيضا: الضمان، فإذا قلت: فى ذمتى كذا يكون المعنى فى ضمانى، وتجمع على ذِمَم.
واصطلاحا: الذمة عند الفقهاء مختلف فيها (٣):
فمنهم من جعلها وصفا، وعرَّفها: بأنها وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له وعليه.
ومنهم من جعلها ذاتا، ولهذا عرَّفها: بأنها نفس لها عهد، فإن الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه بإجماع الفقهاء حتى يثبت له ملك الرقبة وملك النكاح ويلزمه عشر أرضه وخراجها بالإجماع وغير ذلك من الأحكام.
وقد استعملها الفقهاء بمعنى العهد، واستعملها بعض الأصوليين بمعنى أهلية الوجوب.
وجاء فى المُغرب: أن الذمة تطلق على محل الالتزام كقولهم: ثبت فى ذمتى، وبعض الفقهاء يقول: هى محل الضمان والوجوب، وبعضهم يقول: هى معنى يصير بسببه الآدمى على الخصوص أهلا لوجوب الحقوق له وعليه.
وتختص الذمة بعدة أمور:
١ - الذمة من صفات الشخصية الإنسانية وهى ذمة حقيقية، وقد يثور التساؤل عما إذا كان الفقه الإسلامى يعترف بوجود ذمة أو أهلية وجوب للشخص الاعتبارى من الهيئات والمنشآت أم أن الذمة مقصورة على الإنسان باعتبارها خاصة من خصائصه، ومن ثم فلا ذمة لما سوى الإنسان من الأشخاص الاعتباريين؟
والجواب: أن الذمة كما تثبت للشخص الطبيعى تثبت للشخص الاعتبارى ويتولاها من تثبت له الولاية ويكون الفرق بين الذمتين أن ذمة الشخص الطبيعى ذمة حقيقية أساسها العقد والعهد، وذمة الشخص الاعتبارى ذمة افتراضية اعتبارية لا ترقى إلى ذمة الشخص الطبيعى فلا يترتب عليها من الحقوق إلا ما يتناسب وطبيعتها (٤).
٢ - الذمة من توابع الشخصية الإنسانية، فتلازم الإنسان منذ وجوده حتى لو كان حملا فى البطن، فلو أوصى له إنسان بشىء صحت الوصية.
٣ - لكل شخص ذمة واحدة لا تتعدد ولا يجوز الاشتراك فيها.
٤ - الذمة لا حدَّ لسعتها فهى تتسع لكل الديون مهما عظمت.
٥ - الذمة تتعلق بالشخص لا بأمواله وثروته فله التجارة والبيع ولو كان مدينا بأكثر مما يملك، ويقضى ما يشاء من الديون المتقدم أو المتأخر، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه ما لم يمنع من ذلك مانع شرعى كالرهن أو الحجر أو التفليس.
والذِّمَّة: تبدأ منذ الحمل وتبقى معه طيلة حياته فإذا مات تنتهى تلك الذمة إذ لا بقاء لها بعد الموت.
أ. د/ فرج السيد عنبر
المرجع
١ - المصباح المنير ١/ ٢١٠، مختار الصحاح ص٢٢٣، التعريفات، للجرجانى ص ٩٥، الكليات، للكفوى- طبعة دمشق ٢/ ٣٤٦.
٢ - أخرجه البخارى فى كتاب الفرائض "باب إثم من تبرأ من مواليه " فتح البارى شرح صحيح البخارى ١٢/ ٤٢ وما بعدها.
٣ - كشف الأسرار للبزدوى، ٤/ ٢٣٩ - طبعة دار الكتاب العربى- حاشية الجمل على شرح المنهج ٥/ ٢٠٥ - مطبعة مصطفى محمد، نهاية المحتاج ٨/ ٧٥ وما بعدها.
٤ - النظريات العامة فى الفقه الإسلامى، للدكتور/ عبد المجيد محمود مطلوب ص ١٤٢.