← المكتبة ▭ 1 page
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
مجموعة من المؤلفين الجوامع
A− A+
323 · ص323
٢٥ - الروح اصطلاحا: قال العلماء: لا نعلم حقيقتها وهو مما جهل العباد بعلمه مع التيقن بوجوده بدليل قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (الإسراء ٨٥) ووجود الروح أمر متفق عليه فى كل الأديان السماوية، كما قال اليهود لقريش: اسألوا محمدا عن ثلاثة أشياء فإن أخبركم عن شيئين وأمسك عن الثالث فهو نبى، اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح. ولا يلزم عن عدم العلم بحقيقتها المخصوصة نفيها مطلقا وهذا هو المراد بقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (الإسراء ٨٥). والروح عند أهل السنة هى عبارة عن ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجىء وتتحرك وتسكن وهذا ما جاء فى القرآن الكريم حيث قال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} (الأنعام ٩٣) وقال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعى إلى ربك راضية مرضية. فادخلى فى عبادى. وادخلى جنتى} (الفجر ٢٧ - ٣٠) وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد، وقال تعالى: {ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها} (الشمس ٨ - ٩). ولقد سوى الله تعالى البدن كما سوى النفس، بل سوى البدن كقالب للنفس، فتسوية البدن تابع لتسوية النفس والبدن موضع لها، ومن هنا نعلم أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، فيتأثر البدن وينتقل عنها فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها، والنفس أيضا تكتسب الطيب والخبث من البدن، فأشد الأشياء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا، وتأثرا من أحدهما بالآخر الروح والبدن، ولهذا يقال لها عند المفارقة: اخرجى أيتها النفس الطيبة، التى كانت فى الجسد الطيب واخرجى أيتها النفس الخبيثة التى كانت فى الجسد الخبيث. والروح عند الفلاسفة عبارة عن نور روحانى آلة للنفس كما أن السرَّ آلة لها أيضا، فإن الحياة فى البدن إنما تبقى بشرط وجود الروح فى النفس. وقيل: إن النفس جسم كثيف والروح فيه جسم لطيف، والعقل فيه جوهر نورانى، وقيل: إن الروح لطيف مودع فى القلب منه الأخلاق والصفات المحمودة. وأما الصوفية فالروح عندهم خفى لذا يسميه السالكون بالأخفى. فقيل: إنه نور لطيف من السر والروح، وهو أقرب إلى عالم الحقيقة وثمة روح آخر ألطف من هذه الأرواح. والقائلون بتجرد الروح يقولون: الروح جوهر مجرد متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وإليه ذهب أكثر أهل الرياضيات وقدماء المعتزلة وبعض الشيعة وأكثر الحكماء، وهى النفس الناطقة. والروح عند الأطباء عبارة عن جسم لطيف بخارى يتكون من لطافة الأخلاط وبخاريتها كتكون الأخلاط من كثافتها وهو الحامل للقوى الثلاث، وبهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - روح حيوانى ٢ - روح نفسانى ٣ - روح طبيعى. وقد أجمع المسلمون على أن الروح مظهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها، ولذلك فلا يمكن أن يحوم حولها حائم ولا يروم وصلها رائم، لا يعلم كنهها إلا الله تعالى. والروح حادثة وليست قديمة ويظهر أنها تحدث بعد تسوية الجسم، وتتصل به، وتحل فيه، وهو جنين. كما جاء ذلك فى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " إن أحدكم يُجْمَعُ نطفة فى بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَةً مثل ذلك. ثم يرسل الله تعالى الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقى أم سعيد" (رواه مسلم). والروح والنفس معناهما واحد، يقول تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} (الزمر ٤٢). وقد ذكر القرآن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة والنفس المطمئنة. والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت. وتبقى هى مدركة تسمع من يزورها، وتعرفه، وترد عليه السلام وتحس لذة النعيم، وألم الجحيم. (هيئة التحرير)
المراجع ١ - الروح، لابن قيم الجوزية، طبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة. ٢ - التعريفات، للجرجانى ص ١٠٠، طبعة الحلبى. ٣ - دائرة المعارف، للبستانى ٨/ ٧٣١، طبعة دار المعرفة، بيروت. ٤ - مقالات الإسلاميين، للأشعرى، طبعة دار الثقافة، القاهرة. ٥ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبى العز الدمشقى، طبعة مؤسسة الرسالة بيروت.
324 · ص324
٢٦ - الرؤيا لغة: على وزن فُغلَى غير منصرف لألف التأنيث، وهى ما رأيته فى منامك قال الليث: لا تجمع الرؤيا، وقال غيره: تجمع الرؤيا على رؤى كما يقال عليا وعلىَّ كما فى اللسان (١). واصطلاحا: ورد فى القرآن {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشركوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين. قال يابنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} يوسف:٤،٥، كما جاء فى سورة يوسف أيضا رؤيا الفتيين، ورؤيا الملك فى أكل السبع البقرات السمان للسبع العجاف (٢) ورؤيا إبراهيم عليه السلام أنه يذبح ولده (٣). وقد ورد فى السنة الكثير من الحديث عن الرؤيا ونكتفى منها بحديث أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة. والرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا ما يحدث المرء نفسه فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس … ) رواه مسلم (٤). وقد وردت عدة روايات فى هذا الحديث جاءت بلفظ (من ست وأربعين جزءا من النبوة) وفى رواية من حديث ابن عمر رضى الله عنهما (من سبعين جزءا من النبوة) وجميع هذه الرؤايات أخرجها مسلم فى صحيحه (٥) وقد نقل عن ابن عبد البر، أن الاختلاف فى مقدار الجزء إنما هو بحسب يقين الرائى، وإخلاصه، ودرجة تقواه، كما أن الأنبياء يتفاضلون (٦). وبالجملة فإن أهل العلم يتفقون على أن الرؤيا الصادقة من الله تعالى وأن التصديق بها حق، وتحتاج إلى التأويل الحسن، ولا ينبغى أن تعبر إلا من أهل العلم العارفين بالتأويل كما أن فيها من بديع صنع الله وجميل لطفه ما يزيد المؤمن فى إيمانه، ولم ينكرالرؤيا إلا أهل الإلحاد من قدامى ومحدثين، وشرذمة من المعتزلة حيث إنهم لينسبونها إلى ما يغلب على الإنسان من الطبائع الأربعة فإن غلبت السوداء عليه رأى السواد والأهوال، وان غلبت عليه الصفراء رأى النار والمصابيح والمعصفرات وإن غلب عليه البياض رأى المياه والأنهار، وإن غلب عليه الدم رأى الشراب والرياحين والمعازف (٧) قال الكرمانى فى الرؤيا ثمانية أقسام، سبعة لا تعبر وواحد يعبر، حيث أضاف إلى الأربعة السابقة خامسا: وهو الرؤى المنعكسة عما يجول فى النفس فى حالة اليقظة. وسادسا وهو ما كان من رؤى الشيطان ويعرف بكونه يأمره بمنكر وينهاه عن المعروف. وسابعا وهو ما كان من قبيل الاحتلام. أما الرؤيا التى تعبر فهى ما ينقله ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ من أمور دنيا الرائى وأخراه (٨) وعلى ذلك فما قاله الملحدون ومن معهم إنما هو نوع من الرؤيا وليس هو كل الرؤيا بل هو يدخل فى أضغاث الأحلام التى آشار إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) رواه مسلم (٩). أما الأحكام الفقهية التى تلقى فى الرؤيا وكانت مخالفة للأحكام المستقرة فى الشريعة الإسلامية فإنه لا يعمل بها قال الإمام القرافى: من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقال له مثلا: إن امرأتك طالق ثلاثا وهو يجزم بأنه لم يطلقها. فالذى يظهر أن إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليقظة مقدم على الخبر فى النوم لتطرق الاحتمال للرائى بالغلط فى ضبط المثال ولو قال له: عن أمر حرام إنه حلال، أو عين حكما من الشريعة، قدمنا ما ثبته فى اليقفلة على مارؤى فى النوم لما ذكرنا، كما إذا تعارض خبران من أخبار اليقظة فإننا نقدم اللأرجح (١٠). فإذا تعلقت بشىء من فضائل الأعمال وقد عبرها أحد العلماء بالتأويل فالظاهرأنه يعمل بمقتضاها إذا لم تتعارض مع حكم منصوص عليه، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر فى المنام فى السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أرى رؤياكم قد تواطأت فى السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها فى السبع الأواخر) رواه البخارى (١١). وهذا فى غير رؤيا الأنبياء لأن رؤيا الأنبياء حق فقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضاها حينما رأى أنه يدخل المسجد الحرام، كما عمل إبراهيم عليه السلام بمقتضاها حينما رأى أنه يذبح ابنه كما هو معلوم ومفصل فى القرآن الكريم. أ. د/أحمد على طه ريان
الهامش: ١ - لسان العرب، لابن منظور مادة (رأى) طبعة دار المعارف. ٢ - انظر الآيات ٣٦،٤٣ من سورة يوسف. ٣ - انظر الآية ١٠٣ من سورة الصافات. ٤ - صحيح مسلم ٧/ ٥٠ طبعة الشعب. ٥ - صحيح مسلم ٧/ ٥١ - ٥٢ - ٥٣ - ٥٤ طبعة الشعب. ٦ - الجامع لأحكام القرآن ص٢٣٥ للقرطبى طبعة الشعب. ٧ - تعطير الأنام فى تعبير المنام ١١/ ٣ لعبد الغنى النابلسى ط. عيسى الحلبى. ٨ - الذخيرة للقرافى ١٣/ ٢٧٥ ط دار الغرب الإسلامى. ٩ - صحيح مسلم ٧/ ٥٠ طبعة الشعب. ١٠ - الذخيرة للقرافى ١٣/ ٢٧٣
→ prev 323–324 / 686 next ←