← المكتبة ▭ 1 page
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
مجموعة من المؤلفين الجوامع
A− A+
591 · ص591
٢١ - المرابِطُون المرابطون: عَلَم على أصحاب ومؤسسى الدولة الإسلامية التى قامت فى بلاد المغرب والأندلس فى القرنين الخامس والسادس للهجرة (القرنين ١١، ١٢ للميلاد). وأصل هذه الكلمة هو الفعل (رابط) بمعنى لازم، ومنه مرابطة الجيش فى الثغور ومواضع المخافة أمام العدو. وفى القرآن الكريم: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} (آل عمران ٢٠٠). لقد كانت بداية المرابطين فى أوائل القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) إلى الجنوب من وادى درعة فى الصحراء الفاصلة بين المغرب الأقصى وحوض نهر السنغال. وأصل المرابطين يرجع إلى قبائل صَنهاجة البربرية المغربية الصحراوية، وكانت مضاربهم ممتدة أول الأمر إلى الشمال فى إقليم تافيللت، وقاعدته مدينة سِجِلماسة، فلما بسطت قبيلة زناتة سلطانها على بلاد المغرب الأوسط، طردوا الصنهاجيين نحو الجنوب، فأصبحوا يومئذ محصورين فى الصحراء الكبرى بين الزناتيين من جهة الشمال، وقبائل السود السنغاليين من الجنوب، وباتوا مهددين بالفناء من جراء ذلك الحصار. وفى ظل هذه الظروف الحرجة اتحدت القبائل الصنهاجية وهى: جُدالة، ولمتونة، ومَسُّوفَة، وتارجا وجَزُولة، وبنو وارث، وبدأوا العمل والتحرك للتخلص من الحصار الذى يهددهم، تحت زعامة جُدالة، وشيخها يحيى بن عمر بن إبراهيم بن ترغوت الجدالى. وفى عام ٤٢٧ هـ/ ١٠٣٦م خرج يحيى بن عمر على رأس جماعة من قومه للحج، وفى طريق عودتهم، توقفوا بمدينة القيروان- فى تونس- لأخذ العلم والرواية من علمائها، والتقوا بشيخ المالكية الفقيه أبى عمران بن عيسى الورفجومى الفاسى (ت ٤٣٠هـ/١٠٣٩م)، وطلبوا منه أن يرسل معهم أحد العلماء من تلاميذه، ليفقههم فى الدين، وليرجعوا إليه فى الأحكام، لأنهم منقطعون فى الصحراء، فانتدب لذلك عبد الله بن ياسين الجزولى، فكان معلمهم وفقيههم، غيرأنه كان يتمتع بذكاء وفطنة ونشاط ظاهر فى الدعوة إلى الله، وإلى وحدة الصنهاجيين وقوتهم سبيلا إلى الفكاك من استبداد الزناتيين بهم. ويبدو أن هذا الفقيه الجزولى كان يتسم بالصرامة والتشدد، فاعتزله كثير من الناس، فانحاز إلى جزيرة فى النهر، وأقام فيها مرابطا، والتف حوله جماعة انقادت له وأخلصت له، وفى طليعتهم الأمير يحيى بن عمر، وأخوه أبو بكر بن عمر الجداليان، وتكاثر مع مرور الوقت الراغبون فى هذا الرباط والمعجبون بالشيخ ابن ياسين، حتى بلغ عددهم نحو ألف رجل من فتيان صنهاجة الذين يتقدون حماسة ورغبة فى الجهاد فى سبيل الله، وحينئذ قال لهم شيخهم وإمامهم ابن ياسين: "إن ألفا لن يغلبوا من قلة، فاخرجوا بنا للجهاد والقيام بالحق والدعوة إليه". فخرجوا مجاهدين تحت إمرة يحيى بن عمر، وانتصروا على الزناتيين، فانكسر الحصار الذى ضُرب على صنهاجة فى الشمال، كما انتصروا على السود فى الجنوب، وانفتح بذلك السبيل أمام المرابطين للّتوسع شمالا. وفى عام ٤٤٥ هـ/١٠٥٣م أغاروا على أطراف درعة، وقتلوا مسعود بن وانودين وهزموا جيشه واستولوا على درعة وسجلماسة. ولما قُتل يحيى بن عمر اللمتونى فى عام ٤٧٧ هـ/١٠٥٥م، خلفه فى قيادة المرابطين أخوه: أبو بكر بن عمر، فمضى مع الشيخ ابن ياسين على المنهج ذاته، ويعينه مخلصا فى هذا الاتجاه ابن عمه يوسف بن تاشُفين اللمتونى. وفى حدود عام ٤٦١هـ/١٠٦٨ - ١٠٦٩م أتم المرابطون الاستيلاء على إقليم تافيللت، ثم استولوا على وادى نهر تانسيفت، ومن ثم شرعوا فى بناء قاعدة للدولة الجديدة، فشيدت مدينة (مَرَاكُش)، بين سنتى ٤٦١ - ٤٦٥ هـ/١٠٦٩ - ١٠٧٤م. وفى هذه الأثناء وقع خلاف بين لمتونة وجدالة فى الصحراء واشتبك الفريقان فى قتال دُعِىَ أبو بكر بن عمر لحسمه، وفض الاشتباك بين الصنهاجيين، فمضى بعد أن أسند إدارة الدولة إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، فاضطلع هذا بقيادة المرابطين على أكمل وجه، وحظى بمكانة رفيعة بينهم، إلى جانب مهارته الحربية التى ظهرت فى ميادين القتال من قبل. فلما رجع أبو بكر من الصحراء، ورأى دولة المرابطين قوية مستقرة، وما يحظى به يوسف من مكانة، وما حازه من توفيق، تنازل- راضيا- عن رياسة الدولة ليوسف، وعاد أبو بكر إلى الصحراء ليواصل الجهاد فيها. حين كانت دولة المرابطين تتقدم بخطى واثقة نحو التوسع والسيطرة والقوة فى بلاد المغرب حتى شمل سلطانهم المغرب الأقصى ومناطق واسعة من المغرب الأوسط، كانت أوضاع بلاد الأندلس- تحت حكم ملوك الطوائف- تمضى من سيئ إلى أسوأ، وكان نصارى أسبانيا لا يكفون عن الإلحاح على استنزاف قواها والاستيلاء علّيها، حتى سقطت طلّيطلة فى أيديهم سنه ٤٧٨ هـ/١٠٨٥م، فاتجهت أنظار أهل الأندلس نحو إخوانهم المرابطين لإنقاذهم ونجدتهم، فلم يتردد يوسف بن تاشفين فى النهوض تلّبية لندائهم، وانتصارا للإسلام وأهله. وعبرت جيوش المرابطين المجاز بين المغرب والأندلس تحت قيادة ابن تاشفين، وكانت معركة الزلاقة الشهيرة فى شهر رجب ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م، حيث انتصر المسلمون (مرابطون وأندلسيون) واندحرت جموع النصارى بقيادة ألفونسو السادس ملك قشتالة، ولُقِّب يوسف بن تاشفين عقب هذا الانتصار الباهر "أمير المسلمين"، ومن ثم عاد إلى المغرب بعد أن ترك فى الأندلس حامية من المرابطين. وفى عبورهم الثانى إلى الأندلس عام ٤٨١ هـ/١٠٨٨م، لم يقع بينهم وبين النصارى قتال. ثم ساءت أحوال بلاد الأندلس، وتجددت الخلافات بين ملوك الطوائف هناك عودا على بدء، وخشى المسلمون عليها من النصارى، فوردت الكتب تترى إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ووصلت إليه الفتاوى من كبار المسلمين، يحثونه على إنقاذ الأندلس من ملوك الطوائف!! وإزاء هذا الوضع الخطير استجاب ابن تاشفين، وعبر إلى الأندلس للمرة الثالثة فى المحرم سنة ٤٨٣ هـ/٠٨٩ ١ م، وقام بعزل ملوك الطوائف واحدا تلو الآخر، وبدأ عصر جديد فى الأندلس، صارت فيه تلك البلاد جزءا من دولة المرابطين، ويدين أهلها بالسمع والطاعة للأمير يوسف بن تاشفين اللمتونى. وفى عبوره الرابع من المغرب إلى الأندلس تمكن ابن تاشفين من هزيمة ألفونسو السادس ملك قشتالة وجيشه، وكبده خسائر جسيمة فى معركة قرب كنشرة سنة ٤٩١هـ/١٠٨٧م. وقبل عودته إلى المغرب كون جيشا مرابطيا فى الأندلس، ووزع كتائبه على قواعدها المتعددة، ثم جاز إلى مراكش حيث وافاه أجله فى المحرم سنة ٥٠٠هـ/١١٠٦م. وتولى بعده ابنه على بن يوسف بن تاشفين، ولم يكن أقل رغبة فى الجهاد من أبيه، حيث كانت له وقائع مشهودة فى الأندلس، تؤكد أنه سائر على نهج أبيه فى جهاد أعداء الإسلام، والحفاظ على ما بقى من الأندلس بأيديهم، ويذكر له وللمرابطين فى هذا الصدد، أنهم تمكنوا من استرداد الجزائر الشرقية فى البحر الأبيض المتوسط (ميورقة ومنورقة ويابسة) سنة ٥٠٩ هـ/١١١٦م، وكانت قوات مشتركة من بيزة وجنوة وبرشلونة قد استولت عليها من أيدى المسلمين .. ومما لا ريب فيه أن المرابطين وأمراءهم، قد أعادوا إلى الإسلام قوته وهيبته فى الأندلس، ويسترد مسلمو الأندلس عزتهم وكرامتهم وأمنهم فى ظل تلّك الدولة المجاهدة الباسلة، التى لم يتردد قادتها وجيوشهم فى تلبية نداء إخوانهم المسلمين، طوال عصرهم الذى امتد حتى سنة ٥٤١هـ/١١٤٧م. حيث انتهت دولتهم، لترثها وتحل محلها فى المغرب والأندلس معا دولة جديدة هى (دولة الموحدين) .. أ. د/ محمد جبر أبو سعدة
المراجع ١ - الكامل فى التاريخ، ابن الأثير على بن محمد بن محمد- دار صادر بيروت ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م. ٢ - الصلة- ابن بشكوال خلف بن عبد الملك بن مسعود، الدار المصرية للتأليف والترجمة. القاهرة ١٩٦٦م. ٣ - التاريخ الأندلسى- الحجى الدكتور عبد الرحمن على، دار الاعتصام. القاهرة ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م. ٤ - أعمال الأعلام (تاريخ المغرب العربى فى العصر الوسيط) ابن الخطيب: لسان الدين محمد بن عبد الله بن سعيد بتحقيق أحمد مختار العبادى ومحمد إبراهيم الكتانى. الدار البيضاء- المغرب ٩٦٤ ١م. ٥ - ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد: العبر وديوان المبتدأ والخبر فى تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر. بيروت ١٩٥٨ ـ ١٩٥٩ م. ٦ ـ وفيات الأعيان وأبناء الزمان- ابن خلكان: أحمد بن محمد بن أبى بكر، بتحقيق: إحسان عباس. دار صادر بيروت ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م. ٧ - تاريخ المغرب فى العصر الإسلامى- الدكتور السيد عبد العزيز- مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر- الإسكندرية- ٨ - البيان المغرب فى أخبار الأندلس والمغرب- ابن عذارى: أبو عبد الله محمد المراكشى، جمع وتعليق: إحسان عباس- بيروت ١٩٦٧م. ٩ - عصر المرابطين والموحدين فى المغرب والأندلس- عنان محمد عبد الله: القاهرة ١٣٨٣ - ٣٨٤ ١هـ/ ٩٦٤ ١ م. ١٠ - قيام دولة المرابطين- محمود الدكتور حسن أحمد- القاهرة ١٩٥٧ م. ١١ - المعجب فى تلخيص أخبار المغرب- المراكشى: عبد الواحد بن على- بتحقيق: محمد سعيد العريان- القاهرة ١٣٨٣ هـ/١٩٦٣م. ١٢ - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى- الناصر السلاوى أحمد بن خالد- بتحقيق ولدى المؤلف جعفر ومحمد- الدار البيضاء ١٩٥٤م. ١٣ - معجم البلدان- أبو عبد الله ياقوت الرومى الحموى: بتحقيق فريد عبد العزيز الجندى- دار الكتب العلمية- بيروت ١٤١٠هـ/١٩٩٠م.
592 · ص592
٢٢ - المرجئة اصطلاحا: الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير كما فى قوله تعالى: {قالوا أرجه وأخاه} (الأعراف ١١١) أى أمهله وأخره. ثانيهما: إعطاء الرجاء. أما إطلاق اسم المرجئة على الفرقة القائلة بالإرجاء بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن "النية" و "القصد". وأما بالمعنى الثانى فظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقالوا بتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما فى الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار. وينقسم المرجئة إلى: مرجئة الخوارج- مرجئة القدر- مرجئة الجبرية- المرجئة الخالصة. وذكر الإيجى فى المواقف أن المرجئة لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية، أو لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية. وفرق المرجئة خمسة (كما ذكرها الشهرستانى والإيجى) هى: ١ - اليونسية: نسبة إلى يونس النميرى، وقالوا: الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة بالقلب، ولا يضر معها ترك الطاعات، وأن إبليس كان عارفا بالله، وإنما كفر باستكباره. ٢ - العبيدية أصحاب عبيد الكذاب، زادوا أن علم الله لم يزل وأنه تعالى على صورة إنسان. ٣ - الغسانية: أصحاب غسان الكوفى قالوا: الإيمان: المعرفة بالله ورسوله ? وبما جاء من عندهما إجمالا، وهو يزيد ولا ينقص، وذلك مثل أن يقول قد فرض الله الحج ولا أدرى أين الكعبة، ولعلها بغير مكة، وبعث محمدا ولا أدرى أهو الذى بالمدينة، أم غيره؟ وغسان كان يحكيه عن أبى حنيفة وهو افتراء. ٤ - الثوبانية: أصحاب ثوبان المرجئ اتفقوا على أنه تعالى لو عفا عن عاص لعفا عن كل من هو مثله، وكذا لو أخرج واحدا من النار، ولم يجزموا بخروج المؤمنين من النار. ٥ - التومنيَّة: أصحاب أبى معاذ التومنى، قالوا: الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار، وترك كله أو بعضه كفر ومن ترك الصلاة مستحلا: كفر، وبنية القضاء لم يكفر. وزاد الشهر ستانى على الإيجى فرقة سادسة وهى: ٦ - الصالحية: أصحاب صالح بن عمر الصالحى، وذكر أنهم ينفردون عن المرجئة الخالصة بأشياء منها: أنه يصح فى العقل أن يؤمن بالله ولا يؤمن برسوله، غير أن الرسول ? قد قال من لا يؤمن بى فليس بمؤمن. وزعموا أن الصلاة ليست بعبادة لله تعالى، وأنه لا عبادة له إلا الإيمان به، وهو معرفته، وهو- أى الإيمان- خصلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وكذلك الكفر خصلة واحدة، لا تزيد ولا تنقص. وقد تعرض ابن تيمية لمذهب المرجئة وأرجع أصول الخطأ عندهم إلى عاملين: الأول: ظنهم أن الإيمان فى مرتبة واحدة فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، بينما الإيمان الذى أوجبه الله يتباين تباينا عظيما، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر، ويجب على الأنبياء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد هنا أنه يجب عليهم العمل فحسب، بل والتصديق والإقرار أيضا. الثانى: لم يفطن المرجئة إلى تفاصيل الناس فى الإتيان بالأعمال، فليس إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها، وليس إيمان السارق والزانى والشارب كإيمان غيرهم. وقد نسب إلى الإمام أبى حنيفة القول بالإرجاء ولكنه لم يقل بالإرجاء كما قال به المرجئة، وإنما كان يرجئ الحكم، بمعنى تفويض الأمر لله عز وجل. (هيئة التحرير)
المراجع ١ - الملل والنحل، للشهرستانى، تحقيق: محمد بدران. ٢ - المواقف فى علم الكلام، عضد الدين الإيجى، ط عالم الكتب بيروت- د. ت. ٣ - الفرقان بين الحق والباطل، لابن تيمية، ص ٢٩ وما بعدها. ٤ - الفَرق بين الفِرق، للبغدادى. ٥ - مقالات الإسلاميين، للأشعرى. ٦ - المدخل إلى دراسة علم الكلام، د/ حسن الشافعى، ط وهبة ١٩٩١م ٧ - مقدمة إلى علم الكلام، د/ محمد الأنور السنهوتى، ط دار الثقافة ١٩٨٧م.
→ prev 591–592 / 686 next ←