655 · ص655
١٥ - النَّفْس
لغة: النَّفْس هى الذات والحقيقة، وهى عين الشيء أيضا.
واصطلاحا: لها عدة معان، فقد تطلق على الروح فيقال: خرجت نفسه، أى: روحه، كما تطلق على"العند"، ومنه قوله تعالى {تعلم ما فى نفَسى ولا أعلم ما فى نفسك} (المائد ة ١١٦)، ومعناه: تعلم ماعندى ولا أعلم ما عندك، كما تقال على العظمة وعلى الغيب أيضا، وقد يُمثل له بقوله تعالى {ويحذركم الله نفسه} (آل عمران ٢٨)، وبعضهم يجوز إطلاقها- بمعنى الذات والحقيقة على الله تعالى، مستشهدا على هذا الإطلاق بالآية الكريمة السابقة .. وقد شاع استعمال النفس فى الإنسان خاصة، حيث تطلق ويراد منها: هذا المركب، أو الجملة المشتملة على الجسم والروح، والفقهاء قد يستعملونها في معنى "الدم "، وهو المقصود من قولهم "ماله نفْس سائلة"، أى: دم سائل-وقد وردت كلمة "النفس " فى القرآن الكريم ٧٢ مرة، مفردة ومضافة ومعرفة ومنكرة، إضافة إلى مواضع ثلاثة وردت فيها النفس موصوفة بأوصاف معينة، يفهم منها مراتب أو درجات للنفس، هى النفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة. ولأن النفس من عجائب صنع الله تعالى: أقسم بها فقال: {ونفس وما سواها} (الشمس ٧).
وتخصص موسوعات الفلسفة الإسلامية- كالشفاء لابن سينا وغيره- مقالات مطولة لدراسة " النفس " دراسة مفصلة، من حيث تعريفها وتقسيمها إلى نفس: نباتية وحيوانية وناطقة، ومن حيث قواها الظاهرة والباطنة، ووحدتها وكثرتها وقدمها وحدوثها إلى آخر هذه الأبحاث التى تأثروا فيها بفلسفة أرسطو أو أفلاطون تأثرا واضحا. وربما انفرد الفلاسفة المسلمون باستعمال خاص فى قولهم بوجود "نفس " للنبات، فلم يعهد فى الاستعمال العربى إطلاق "النفس "، بمعنى القوى المحركة على النبات أو الجماد. وقد ذهب هؤلاء- ومعهم الإمام: الغزالى وبعض الأشاعرة- إلى أن النفس ليست جسما ولا عرضا حالا فى جسم، وإنما هى جوهر مجرد قائم بذاته غير متحيز، وتعلقه بالبدن تعلق تحريك وتدبير فقط.
وكذلك أفرد المتكلمون فى مطوّلاتهم- كالمواقف وشرحه- مراصد ومقاصد لموضع النفس، وتميزت أبحاثهم فيها بنظرة نقدية لمذاهب الفلاسفة المسلمين، فأنكروا دعواهم فى إثبات نفوس للأفلاك تؤثر فى عالمنا هذا كونا وفسادا وسعودا ونحوسا، كما أنكروا مذهبهم فى القول بتجرد النفوس من الجسم والجسمانية، وقد ذهب بعض من المتكلمين إلى أن النفس "جسم لطيف " يسرى فى البدن سريان الماء فى العود الأخضر، ويرى الإمام النووى أن هذا المذهب هو الأصح عند علماء الحديث. وذهب البعض الآخر إلى أن النفس تحل فى البدن كما يحل العرض فى الجوهر. ويذهب أبو البقاء فى كلياته (ص ٨٩٨)، إلى أن القول بتجرد النفوس لا يتنافى مع شيء من قواعد الإسلام. ويرى ابن القيم (فى كتابه: الروح: ٢٦٦) أن المذهب الصحيح هو أن النفس جسم علوى نورانى، مخالف بالذات للأجسام المحسوسة، ينفذ فى الأعضاء ويسرى فيها سريان الماء فى الورد، وقد استشهد على صحة هذا المذهب بآيات وأحاديث كثيرة. وعنده أن النفس تطلق فى القرآن على جملة الذات، وتسمى روحا أيضا، والفرق بينهما فرق بالصفات لا بالذات. وبعض العلماء يثبت للحيوانات نفسا مدركة، مستدلين بما جاء فى القرآن عن الطير والهدهد والنمل، والمتأخر ون من النّظّار يفسرون ذلك بنوع من الإدراك مناسب لهذه الحيوانات، وينكرون تفسيره بالنفس أو العلم. وللنفس عند الصوفية إطلاق خاص بهم، فهى تقال على "ما كان معلولا من أوصاف العبد ومذموما من أفعاله وأخلاقه "، ويعدونها مبدأ الصفات الرديئة والأحوال السيئة فى الإنسان، فهى عدوه الأول، بل أعدى أعدائه، ومن ثم كان جهادها هو "الجهاد الأكبر" ويُقسّم الصوفية أوصاف النفس المذمومة إلى قسمين: قسم كسبى، يمثلون له بالمعاصى والمخالفات، وعلاج هذا النوع بالالتزام الدقيق بأحكام الشرع أمرا ونهيًا، وقسم طبيعى جِبِلى يتمثل فى أمراض القلوب وعللها، وعلاج هذا النوع بالمجاهدات والرياضات، فالكبر يجاهد بالتواضع، والحرص بالقناعة، والحسد بالرحمة والشفقة، والشهوة بالعفة والجوع، والغضب بالحلم، والبخل بالسخاء .. الخ وينبه شيوخ التربية الصوفية إلى أن أشد أمراض النفس استعصاء على المجاهدة: رؤية النفس والإعجاب بها، ويعدون هذا النوع شركا خفيا، ولذلك يقدمون مجاهدته على المجاهدات الأخرى، ومن ثم كان كسر النفس عندهم أتم وأنفع من مكابدة الجوع والعطش والسهر. ويتردد كثيرا فى أدبيات التصوف التقسيم القرآنى للنفس إلى: نفس أمَّارة ولوامة ومطمئنة فالأمّارة هى التى، تأمر بفعل السيئات، واللوامة تلوم نفسها كلما اقترفت ذنبا أو اكتسبت خطيئة، ولومها راجع إلى أنها تعرف الصواب، وتعلم أن ما فعلته لم يكن صوابا، بخلاف الأمارة فإنها ترى أن الصواب فيما تفعله لا فيما تتركه. أما النفس المطمئنة فهى التى اطمأنت بالتزام الطاعات والمثابرة عليها "بحيث لا تجد ميلا إلى تركها ولا طلبا لشىء من المعاصى"وبعضهم يضيف مرتبة مستقلة قبل النفس المطمئنة، يسمونها: النفس الملهمة، وهى مرتبة "خواص الأولياء" ويجعلون النفس المطمئنة مرتبة رابعة"لأخص "الاولياء والأنبياء". والنفس روح للبدن، والقلب روح للنفس تحيا به، وروح الإنسان روح للقلب يحيا بها.
وهل الأمّارة واللوامة والمطمئنة نفوس ثلاثة، أو نفس واحدة فى درجات ثلاث؟ والتحقيق فيما يقول ابن القيم- إنها نفس واحدة وأن هذه الأسماء اعتبارات وتحققات تحصل للنفس بالمجاهدة. هذا وقد درس شيوخ التصوف فى تراثهم موضوع النفس دراسة معمقة، وبأنظار تحليلية بالغة الدقة: واستطاعوا أن يغوصوا فى أعمق أعماق البحوث النفسية بكل أبعادها: السيكولوجية، والحسية، والميتافيزيقية، والعرفانية، واستخرجوا فروقا - لا توجد عند غيرهم- بين النفس وبين قوى باطنية أخرى، مثل: الصدر والقلب والفؤاد واللُّب والعقل. ورصدوا خفايا غريبة عن آفات النفس وحظوظها ورعوناتها، ورياضاتها، وحبسها وتزكيتها وصفائها وفنائها، إلى أبحاث أخرى عديدة لازالت مطمورة فى خبايا هذا التراث.
أ. د/ أحمد الطيب
المراجع
١ - الرسالة القشيرية ط. مصطفى الحلبى، القاهرة ١٣٥٩ هـ- ١٩٤٠ م.
٢ - بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب للحكيم الترمذى- تحقيق نقولا هر، ط. عيسى الحلبى، القاهرة ١٩٥٨ م.
٣ - منازل السائرين (شرح القاشانى) لعبد الله الأنصارى الهروى ومواضع أخرى عديدة، (راجع فهرس المصطلحات بذيل الكتاب) تحقيق محسن بيدار فر. ط. قم ١٤١٣ هـ.
٤ - كتاب الروح لابن القيم. ط. صبيح، القاهرة ١٣٦٩ هـ- ٠ ٥ ١٩ م.
٥ - النجاة لابن سينا (الطبيعيات، المقالة السادسة) ط. طهران ١٣٦٤ هـ.
٦ - المواقف فى علم الكلام للإيجى (بشرح السيد الجرجانى) مطبعة السعادة، مصر ١٣٢٥ هـ- ٠٧ ١٩ م.
656 · ص656
١٦ - النفقة
لغة: هي ما ينفقه الإنسان من الأموال كما فى القاموس (١).
واصطلاحا: كفاية من يمونه خبزا وأداما وكسوة ومكسنا وتوابعها (٢).
وأسباب النفقة هى:
١ - العلاقة الزوجية، فقد أوجب الشارع على الزوج فى جميع الأحوال الإنفاق على زوجته، غنيا كان أو فقيرا، ولم يوجب الإسلام على الزوجة أن تنفق على نفسها وإن كانت موسرة، أو أن تنفق على زوجها بالأولى من هذا المال وإن كان معسرا، ولم يوجب عليها أن تتكسب هذه النفقة بالعمل أو نحوه، فالنفقة حق لها على زوجها بمقتضى عقد النكاح.
ومن أدلة وجوبها قول الله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} البقرة:٢٣٣، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع: (اتقوا الله فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله .. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (رواه مسلم) (٣).
ونفقة الزوجة تشمل الإطعام والكسوة والسكنى، ووسائل النظافة، وتشمل أجر الخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم فى بيت أهلها، وكان الزوج موسرا، فيجب لها النفقة فى الوجوه السابقة مقدار كفايتها بالمعروف، وهذا الحق الذى قرره الإسلام لها، يتحقق به صيانتها وحمايتها من التبذل والامتهان.
بسبب اكتساب أسباب الحياة، حيث كفل الإسلام لها هذه الأسباب فى منزل الزوجية بدون تدخل منها، لتتفرغ لأداء رسالتها المنوط بها فى الحياة.
٢ - علاقة القرابة، فقد أوجب الشارع بها على المرء الإنفاف على والديه، كما أوجب بها على الوالدين الإنفاق على أولادهما ذكورا أو إناثا، إذا كان للمنفق مال يمكنه الإنفاق منه، فاضلا عن نفقته، ولم يكن للمنفق عليه مال ولاكسب يكتفى به عن نفقة قريبه عليه.
ومن الأدلة علي وجوب نفقة الأصول على فروعهم حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) (رواه الترمذى عن عائشة وقال: حسن صحيح).
ومن الأدلة على وجوب نفقة الفروع على أصولهم حديث هند زوج أبى سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين اشتكت إليه بخل أبى سفيان: (خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك) متفق عليه (٥).
كما أوجب الشارع بمقتضى القرابة نفقة القريب - غير الأصل والفرع - على قريبه بالشروط السابقة فى نفقة الأصول والفروع، حيث يرى الحنفية وجوب النفقة لكل ذى رحم محرم للمنفق، ويرى الحنابلة وجوبها لقريبه إن كان يجرى التوارث بينهما، أو كان من ذوى رحمه، ومن الأدلة على ذلك ماروى عن طارق المحاربى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأخاك، ثم أدناك أدنك) رواه ابن حبان فى صحيحه (٦) حيث بين فى الحديث أن من المعالين الأخوة والأقرب من الأقارب، فيجب لهم على أقاربهم المأكل والمشرب والملبس والساكنى ونحوها، بقدر الكفاية، مراعاة فى ذلك العرف وحال المنفق والمنفق عليه، وظروف الزمان والمكان.
وإيجاب نفقة الأقارب الذين لامال لهم إذا عجزوا عن الكسب - على قريبهم الموسر، يحقق صلة الرحم، ويقيم العلائق بين أفراد الأسرة على أساس من الترابط والتكافل، فينصلح حال الأسرة، وينصلح بصلاحها حال
المجتمع بأسره.
أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس
الهامش:
١ - القاموس المحيط، لمحمد بن يعتوب الفيروزآبادى، الطبعة الثانية ١٣٧١هـ١٩٥٢م، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة ٣/ ٢٩٦.
٢ - كشاف القناع، منصور بن يونس البهوتى، مكتبة النصر الحديثة الرياض.
٣ - صحيح مسلم، مسلم بن حجاج النيسابورى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة ١/ ٥١٢.
٤ - سنن الترمذى، محمد بن عيسى بن سورة (الترمذى)، مطايع الفجر الحديثة حمص، ٣/ ٣٠.
٥ - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، محمد فؤاد عبدالباقى، الطبعة الثانية ١٤١٣هـ ١٩٩٢م دار الصفوة بالغردقة، ٢٠/ ٤٢٦.
٦ - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، علاء الدين بن بلبان، دار الكتب العلمية، بيروت ٦/ ٩٥.
مراجع الاستزادة:
١ - المغنى، عبدالله بن أحمد بن قدامة، عالم الكتب، بيروت.
٢ - قضايا طيبة، عبدالفتاح محمود إدريس، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ-١٩٩٣م.
٣ - الفواكه الدوانى، أحمد النفراوى، الطبعة الثانية ١٣٧٤هـ/١٩٥٥م مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة