← المكتبة ▭ 1 page
نسيم الصبا
ابن حبيب الحلبي الأدب 779 هـ
A− A+
65 · ص66
قيدت أملي عن سواك، وبهرت ناظري بنظرة سناك، وضاقت بعدك عليّ المسالك، وغدت مطالبي محفوفة بالمهالك، وكسرت جيش قراري، وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري. أجول حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال مكارمك ولطفك. أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر؟ وإذا صدرت عن عبده زلة أسبل عليها رداء العفو وستر، وأن شفيع المذنب إقراره، ورفض خطيئته عند مولاه استغفاره. ومن أبدى باعترافه الحجة، فقد استوجب أن يُسلك في مساحته أوضح المحجة. ومن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر لهفي على عيش بسلاف حديثك سلف، وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف، وزمان ولى مجانباً، وحبيب ذهب مغاضباً، واهاً لأيام بطيب أنسك مضت، وبروق ليال لولا قربك ما أومضت: ما كنت أعرف في الهوى مقدارها ... رحلت وبالأسف المبرح عوضت كيف السبيل إلى إعادة مثلها؟ ... وهي التي، بالبعد، قلبي أمرضت إلى كم أموه وأغالط، وأجاهد في سبيل الصبر وأرابط،
66 · ص67
وأكلف اللسان مكابدة حمل الكتمان، وأسر من الصبابة ما أعلنه دمع الأجفان. أتكتم رائحة الطلا؟ وهل يخفى على ذوي الأبصار ابن جلا؟ لقد برح الخفاء، وأطلت يا رقيق الحاشية شقة الجفاء، وأشمت الأعادي، ومددت ظل التمادي، وزدت في الهجر والبعاد، وكلمت القلب بألسنة الصعاد. فجد بالتداني، واسمح بنيل الأماني، وارحم والهاً وأبدت ظلمة الفراق فرقه، وتصدق على مدنف سائل دمعه يقبل الصدقة. وألن قلبك القاسي، وعد عن التنائي والتناسي، وارع الود القديم، وأبدل شقاء محبك بالنعيم، ولا تعدل عن منهاج المعدلة، وسلم فقد أخذت حقها المسألة. واغمد سيف حيف صيرته مسلولا، وأوف بالعهد {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}. الفصل السادس عشر: في مجلس الشراب كان لي صديق مغرى بشرب الرحيق. غزير الفضل والآداب، كثير اللهج بذكر مجالس الشراب، وكان يود حضوري عنده، وأنا لا أبلغه مما يود قصده. فأتاني حيناً من الأحيان، يدعوني إلى مجلس بعض الأعيان، وألزمني بأن أحالفه، مقيماً على ألا أخالفه، فأجبت إلى المحاضرة، مشترطاً عدم المعاقرة. فقال: أجل أيها الأجلّ، وسآتيك إذا هزم النهار واضمحل. فلما آنس قدوم الليل، آب يسحب سحائب الذيل، وهو يقول:
→ prev 65–66 / 130 next ←