73 · ص74
الصنديد، ويعتدي على الشباب، ويفرق بين الأصحاب، ويسود بياضه اللون، وهو عنوان فساد الكون. رفعت عند نصحك مقداره، ونفيت قاره وأثبت وقاره:
وأي وقار لامرئ عري الصبا ... ومن خلفه شيب وقدامه شيب
ثم إنك رثيت وما رثيت، ومريض المشيب عن معالجة الخضاب نهيت، وأطلت التعنيف، وأكثرت الأراجيف. وسقت الشائب إلى رمسه، ومنعته من التصرف في نفسه، وبسطت شقة الشقاق. أما سمعت قول الوراق:
للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب
فقلت له: إلام يختفي الزامر ويتستر؟ وحتام يكتم الكتم شيئاً بعد ثلاث يظهر؟ وهل يرد التمويه ما مضى؟ أو يخمد ماء الصبغ جمر الغضى؟
تستر بالخضاب، وأي شيء ... أدل على المشيب من الخضاب
فقال: قد أطلت الملام، وأثخنت القلب بكلام الكلام، ونشرت رداء الرد، وزاد سيف عدلك في الحد:
لمع المشيب، وبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل
يا هذا إني لأعلم أن الخرق يتسع على الراقع، وأن التمادي في التصابي سم ناقع. لكن الفطام صعب، وكل أحد لا
74 · ص75
يمكنه رأب الشعب، وترك منصب الإمارة، شديد على النفس الأمارة. وهي إلى حضرة الخضرة تميل، وعلى الله قصد السبيل:
لعمرك ما خضبت بياض شيبي ... رجاء أن يعود لي الشباب
ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا تصاب
وأنا أستغفر الله من الزلل، واستعين به على سد الخلل، وأتوكل عليه إنه جواد كريم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم.
الفصل الثامن عشر: في الخيل والإبل
وفد علي يوماً ذو ألوك، يدعوني إلى حضرة بعض الملوك. فلبيت مناديه، ويممت في المال ناديه. فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته. ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق، وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك.
فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله. فما استتم المقال إلا والنجائب تقاد بأيدي الرجال: فمن أشهب يقق، إن طلب لحق، وإن طُلب سبق. طِرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة