← المكتبة ▭ 1 page
نسيم الصبا
ابن حبيب الحلبي الأدب 779 هـ
A− A+
97 · ص98
يا رُب سابغة حبتني نعمة ... كافاثها بالسوء غير مفند أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند ومن أشياء يطول ذكرها، ويعز على البليغ البارع حصرها. ثم إنهم جدوا في الرحيل وتمسكوا بالنص واتبعوا الدليل. إلى أن وصلوا إلى بلد الأعداء سيس، وأرهبوا بجمعهم الراهب والقسيس. فسارعوا إلى النزول، وغصت بهم الوعور والسهول. وصابحوهم بما أشقى مساءهم. وناوحوهم بما دمرهم وساءهم. ونادوهم بألسنة الحمام، وناجوهم برسائل السهام، ونصبوا آلات الحصار لكسرهم، وأعدوا ما استطاعوا من القوة لقتلهم وأسرهم، وأحاطوا بأسوار المدينة، وصدموها بمن في آذانهم وقر عن الوقار والسكينة. فكم تكن إلا ساعة من نهار، حتى تحرك البناء وانهار، وسال السور بعد أن ماج، وهوت بكواكب المنجنيق منه الأبراج. فدخلوا البيوت من غير الأبواب، وجرعوا أعداء الدين مذاب العذاب، وحصل أهل الشرك في شرك القبضة، وعجزوا عند قص أجنحتهم عن النهضة، وتمشت في مفاصلهم حميا السيوف، وصفاح الرغام وجوههم على رغم الأنوف: لله در فوارس كم أقبلوا ... نحو الحروب، ونافسوا في وصلها قوم إذا دخلوا معالم قرية ... لعداتهم جعلوا أعزة أهلها ثم عاجوا لاقتلاع قلعتها، ومالوا إلى محو أسطار بقعتها. فقدموا
98 · ص99
إليها النقابة، وحسروا عن وجه الاجتهاد نقابه. وباتوا يطلقون فيها ألسنة المعاول، ويعرضون عن رأي من قال: وأين الثريا من يد المتناول فأصبحت على الخشب معلقة، ثم عادت بذات الوقود محرقة. فلم تمض عليها إلا لمحة غافل، حتى صارت الأعالي منها أسافل، وأحيط بطاغيتهم وفرسانه، وقبض على أعوانه وأعيانه. ونزعت التيجان، ونكست الصلبان. وبل غليل السيف، وارتفع الحتف والحيف، وهدمت البيع والكنائس، واستخرجت الذخائر والنفائس، وأسر النساء والأطفال، وبلغ الطالب من الأموال منتهى الآمال. وأعز الله جنده، وأنجز من التأييد وعده، ومن بعوائد ألطافه الخفية، وجعل هام الملحدين لحوداً للمشرفية. وما النصر إلا من عنده وهو المتصدق بجزيل رفده على عبده. ثم إن العساكر عادوا إلى أوطانهم غانمين سالمين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. الفصل الثالث والعشرون: في رمي البندق برزت يوماً مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار
→ prev 97–98 / 130 next ←