43 · ص47
السِّمةُ العاشرة
الإقبالُ على اللهِ بكثرةِ الدُّعاء
إنَّ مِن أَجَلِّ العبادات التي يظهر فيها ذُلُّ العبد بين يدي ربِّه: الدعاء، قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: ٥٥]، وقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:٩٠].
إنَّ عبادةَ الدعاء في العشرِ الأخير مِن رمضان حينما يكون العبد عاكفًا، لها مذاق يعرفه المتضرعون المنكسرون بين يدي الله، الباكُون المتباكون، حيث يستشعرون القرب مِن مولاهم والوعد بالإجابة، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: ١٨٦]،
44 · ص48
وفي مجيء هذه الآية الكريمة في سياق الصيام مُتَخَلِّلة بينه وبين ذكر الاعتكاف، لفتة عظيمة إلى بيان منزلة عبادة الدعاء حينما يكون العبد صائمًا عاكفًا.
إنها عبادة تتألق في هذه الليالي التي ينكسر فيها العبد، فيَرِقُّ القلب، وتَرِفُّ الروح، فتجف الشهوات وتنكسر النفس، ويكون ذلك تأهيلًا للعبد لأن يكون مُستجيبًا لله، { ... فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} فيستجيب الله له، فإجابة الدعاء تقترن دائمًا بانكسار القلب وضعف النفس وتَحَرُّرِها من ضغوط الشهوات، وهذا لا يتوافر في حال مِن أحوال الإنسان بقدر توافره في حال الصيام والاعتكاف ١.
وهذا الموطن كبقية المواطن التي يُستحبُ فيها استكانة العبد وانكساره بين يدي ربه، أخرج الطبراني مِن حديث ابن عباس ? قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَدْعُو بِعَرَفَةَ، وَيَدَاهُ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ» ٢.
١ ينظر: روح الصيام ومعانيه ص (١١٦).
٢ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣/ ١٨٩) رقم (٢٨٩٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٩٠)، وإسناده ضعيف.