← المكتبة ▭ 1 page
حينما يعتكف القلب
عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل الرقائق والآداب والأذكار
A− A+
5 · ص9
يَدْخُلُهُ» ١. إنَّ جُل الطاعات وكثيرًا مِن العبادات تجتمعُ للعاكفِ المنفردِ الخالي بربِّه، وأعظم هذه العبادات وأشرفها: عبادة القلب، ولأنَّ القلبَ هو سيد الأعضاء فإنه مخصوصٌ بسيد العبادات: الإخلاص، وليس شيءٌ مِن الحالاتِ تزيدُ الإخلاصَ وتُنميه كما في حالةِ العبد المنكسر المنطرح بين يدي مولاه حين الخلوة بالله، والعكوف على طاعته؛ ولهذا فإنَّه يتذوق حلاوةَ الإيمان، ويجد له مذاقًا وطعمًا لا يُساميه أيّ مذاق، ولا يُدانيه أيُّ طعم، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: ٢١].
١ أخرجه البخاري، (٣/ ٤٨) رقم (٢٠٣٣)، ومسلم (٢/ ٧١٥)، رقم (١١٧٢).
6 · ص10
السِّمةُ الثانية العيشُ مع القرآن لُبُّ العبادةِ وحياةُ القلبِ مصدرُها الأول: كتاب الله، الذي جعله الله روحًا وحياةً ونورًا، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: ٥٢]. ولا غرو أنْ يجدَ المؤمنُ حياةَ قلبِه في تدبر القرآن؛ لأنَّه يتذوقُ بتلاوتِه المتأنية حلاوةَ المناجاة لكلامِ ربِّه، فيعيشُ في آفاق الآيات التي يسري رَوْحُها في خلجاتِ قلبه، فيجد حينها لقلبِه حياةً أخرى، ولقراءته لذَّةً لا يَصِفُها لسانُه، ولا تُدوِّنها أقلامُه، وذلك لعظمةِ الخطاب الرباني وروعةِ جماله الذي يَسلُبُ عقلَ المتدبرِ فترِقُّ نفسُه، ويَلُفها سكينة وخشية، فيتجلى للقلبِ مِن المعاني ما يَفيضُ نورًا وغيثًا يُضفي على القارئ جلالًا وجمالًا. وكما أنَّ الغيثَ ربيعُ الأرضِ، فكذلك القرآن ربيع أفئدة أهل
→ prev 5–6 / 58 next ←