38 · ص36 · ج71
عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا". ١، وفي رواية" حُسْنُ الصوت؛ زينة القرآن ". ٢
المطلب الثاني: المفهوم الصحيح لمزامير آل داود
ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع صوتَ أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: " لقد أوتي مِزْمَارًا من مزامير آل داود" ٣ وفي رواية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى: " لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " ٤، قال أبو موسى: "لو علمت يا رسول الله أنك تستمع إليَّ لحبرتّه لك تحبيرًا". ٥
وقوله: "مزمارًا من مزامير آل داود": قال النووي- رحمه الله-: قَالَ الْعُلَمَاء:
الْمُرَاد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الْحَسَن، وَأَصْل الزَّمْر الْغِنَاء، وَآلُ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفْسه، وَآلُ فُلَان قَدْ يُطْلَق عَلَى نَفْسه، وَكَانَ دَاوُدُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَن الصَّوْت جِدًّا " ٦
ومما يؤيد كلام النووي ويؤكده أن المراد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الحسن لا الألحان- قوله- صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى (أُوتِيتَ) -بتاء المخاطب- بما لم يسم فاعله، مما يدل على أن الذي وهبه الصوتَ الحسن هو اللهُ سبحانه وتعالى، وأنه لم يحصل له ذلك بالتعلم والتمرن والتريض.
قال ابن الأثير- رحمه الله- في "النهاية":
وفي حديث أبي موسى سَمِعه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فقال: (أُعْطِيتَ مزْمارا من مَزَامِير آلِ دَاودَ). شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ. وداودُ هو النبي- عليه السلام- وإليه المُنْتَهى في حُسْن الصَّوت بالقراءةِ. ٧
وقال ابن خلدون (ت: ١٣٣٢ هـ) - رحمه الله-:
وأما قوله- صلى الله عليه وسلم - (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) فليس المراد به الترديد والتلحين، إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها. ٨
١ - رواه الحاكم في المستدرك (٢١٢٥)، والدارمي (٣٥٠١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (ج ١ حديث ٣٥٨١)، وفي مشكاة المصابيح (٢٢٠٨).
٢ رواه الطبراني في الكبير (٩٨٨١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣١٤٤).
٣ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (فضائل القرآن)، باب (حسن الصوت بالقراءة للقرآن) برقم: ٤٦٦٠، ومسلم في صحيحه كتاب (صلاة المسافرين وقصرها) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم: ١٣٢٢.
٤ - صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم ٧٩٣.
٥ - يُنظر: فتح الباري (١٤/ ٢٧٢)
٦ شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٦
٧ النهاية، لابن الأثير (٢/ ٧٧٨).
٨ - تاريخ ابن خلدون (١/ ٤٢٦).