← المكتبة
▭ 1 page
صريح المعقول الموافق لصريح المنقول في مناقشة ثلاثة تفاسير رتبت على ترتيب النزول
A−
A+
7 · ص39 · ج73
سادسًا: القرآن -المُعجِز- هو الكتاب الذي هيمن على الكتب المنزلة قبله
وقد جعل اللهُ القرآنَ مهيمنًا على الكتب السابقة وحاكمًا عليها كما قال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة من آية: ٤٨).
و (المهيمن): الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله ٢٢
(وَمُهَيْمِنًا) أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب. ٢٣
(وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): أي: مصدقًا عليه، كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق. ٢٤.
وإنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخًا البتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). ٢٥
- وقد - جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
فهو محفوظ بحفظ الله عز وجل إلى قيام الساعة، شاهد على هذه الكتب، مبين ما حرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله. ٢٦
وأهل السنة والجماعة مقرون بأن القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن والحاكم على جميع الكتب المنزلة السابقة، والحافظ لكل كتاب قبله؛ وشاهد على كل تلك الكتب جميعًا بأنها وحيٌ منزلٌ من عند الله تعالى أنزله سبحانه على رسله، وأنه مصدق على ما فيها من الحق، نافيًا عما أُلحِق بها من باطل، وأنه حاكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو الحق الذي أنزله الله، وما خالفه منها فهو من الباطل الذي نسب إليها، فصارت للقرآن الهيمنة على جميع تلك الكتب المنزلة من كل وجه.
- و- السلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب. ٢٧
٢٢ - تفسير الطبري: م ٤ (٦/ ٣٤٥).
٢٣ - تفسير ابن كثير: (٢/ ٩٢).
٢٤ - تفسير الطبري: م ٤ (٦/ ٣٤٦).
٢٥ -التفسير الكبير للفخر الرازي: (١٢/ ١١).
٢٦ - يُنظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع، لـ"مجموعة مؤلفين": (ص: ٧٤٨).
٢٧ - مجموع الفتاوى: (١٧/ ٤٣).
8 · ص39 · ج73
سابعًا: القرآن - المعجز- كتاب أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ
والقرآن الكريم كتابٌ أُحكمت آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ كما قال ربنا: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: ١)
و (فُصِّلَتْ) أي: بُيِّنتْ، وأصلُ (فصل): يدلُّ على تَمييزِ الشَّيءِ مِنْ الشَّيءِ، وإبانتِه عنه. ٢٨.
و (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) أي: هذا القُرآنُ أتقَنَ اللهُ آياتِه فلا خللَ فيها ولا باطِلَ ولا تَناقُضَ، ثمَّ بُيِّنَتْ بالأخبارِ الصَّادقةِ، والأحكامِ العادلةِ مِنْ أوامِرَ ونواهٍ. ٢٩
فما تقولون في فضل كتاب أنقذ الله به أمة من جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، دأبهم السلب والنهب، ومعبودهم الأوثان والحجارة، وديدنهم توارث العداوات والأحقاد، لا تعرف من الحق رسمًا. نحلتها ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أسلافها، من آراء منحرفة، ونحل مخترعة، وملل مبتدعة، فأنزل الله عليهم هذا الكتاب فأنقذهم منها به، وانتشلهم به من أوحالها.
٢٨ - يُنظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (٤/ ٥٠٥)، البسيط، للواحدي (١١/ ٣٤٣)، تذكرة الأريب، لابن الجوزي (ص: ٣٣٩)، الكليات، للكفوي (ص: ٧٠٠).
٢٩ - يُنظر: تفسير الطبري: (١٢/ ٣٠٨، ٣١٠)، معاني القرآن، للنحاس (٣/ ٣٢٧، ٣٢٨)، تفسير ابن عطية، (٣/ ١٤٨)، تفسير القرطبي، (٩/ ٢، ٣)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ١٠٦)، (بيان تلبيس الجهمية) لابن تيمية (٨/ ٣٣٧)، تفسير ابن كثير، (٤/ ٣٠٣)، تفسير ابن سعدي، (ص: ٣٧٦).