الصداق

الشافعية

تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
( كِتَابُ الصَّدَاقِ )
هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَجَمْعُهُ قِلَّةً أَصْدِقَةٌ وَكَثْرَةً صُدُقٌ وَيُقَالُ صَدَقَةٌ بِفَتْحٍ فَتَثْلِيثٍ وَبِضَمٍّ أَوْ فَتْحٍ فَسُكُونٍ وَبِضَمِّهِمَا وَجَمْعُهُ صَدُقَاتٌ مَا وَجَبَ بِعَقْدِ نِكَاحٍ وَيَأْتِي أَنَّ الْفَرْضَ فِي التَّفْوِيضِ وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ بِهِ مُبْتَدَأَ الْعَقْدِ هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ أَوْ وَطْءٍ أَوْ تَفْوِيتِ بُضْعٍ قَهَرَا كَرَضَاعٍ وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ أَخَصُّ مِنْ اللُّغَوِيِّ إذْ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصِّدْقِ لِإِشْعَارِهِ بِصِدْقِ رَغْبَةِ بَاذِلِهِ فِي النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي إيجَابِهِ وَيُرَادِفُهُ الْمَهْرُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ( يُسَنُّ ) وَلَوْ فِي تَزْوِيجِ أَمَتِهِ بِعَبْدِهِ عَلَى مَا مَرَّ ( تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ ) لِلِاتِّبَاعِ وَأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ خَالِصَةً لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُجَوِّزُ عِنْدَ التَّسْمِيَةِ أَقَلَّ مِنْهَا وَتَرْكُ الْمُغَالَاةِ فِيهِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِضَّةً خَالِصَةً 376 أَصْدِقَةُ بَنَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجِهِ مَا عَدَا أُمَّ حَبِيبَةَ فَإِنَّ الْمُصَدِّقَ لَهَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ النَّجَاشِيُّ أَصْحَمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إكْرَامًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْفِضَّةِ لِلِاتِّبَاعِ وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( وَيَجُوزُ إخْلَاؤُهُ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا لَكِنَّهُ يُكْرَهُ نَعَمْ إنْ كَانَ مَحْجُورًا وَرَضِيَتْ رَشِيدَةً بِدُونِ مَهْرِ مِثْلٍ وَجَبَتْ تَسْمِيَتُهُ أَوْ كَانَتْ مَحْجُورَةً أَوْ مَمْلُوكَةً لِمَحْجُورٍ أَوْ رَشِيدَةً أَوْ وَلِيًّا فَأَذِنَا وَأَطْلَقَا وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَجَبَتْ تَسْمِيَتُهُ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
كِتَابُ الصَّدَاقِ هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا ، وَجَمْعُهُ جَمْعُ قِلَّةٍ أَصْدِقَةٍ وَجَمْعُ كَثْرَةٍ صُدُقٌ ، وَيُقَالُ فِيهِ صَدُقَةٌ بِفَتْحٍ فَتَثْلِيثٍ وَبِضَمٍّ أَوْ فَتْحٍ فَسُكُونٍ وَبِضَمِّهِمَا وَجَمْعُهُ صَدُقَاتٌ ، وَلَهُ أَسْمَاءُ جَمْعٍ بَعْضُهُمْ ثَمَانِيَةً مِنْهَا فِي قَوْلِهِ : ﴿﴾ صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عَقْرُ عَلَائِقَ ﴿﴾ وَزَادَ آخَرُ الطُّولَ فِي قَوْلِهِ : ﴿﴾ مَهْرٌ صَدَاقُ نِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ طُولُ حِبَاءٍ عَقْرٌ أَجْرُ عَلَائِقَ ﴿﴾ مَا وَجَبَ بِعَقْدِ نِكَاحٍ ، وَيَأْتِي أَنَّ الْفَرْضَ فِي التَّفْوِيضِ وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ بِهِ مُبْتَدَأَ الْعَقْدِ هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ أَوْ وَطْءٌ أَوْ تَفْوِيتُ بُضْعٍ قَهْرًا كَرَضَاعٍ وَرُجُوعِ شُهُودٍ ، وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ أَخُصُّ مِنْ اللُّغَوِيِّ إذْ
335 هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصِّدْقِ لِإِشْعَارِهِ بِصِدْقِ رَغْبَةِ بَاذِلِهِ فِي النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي إيجَابِهِ ، وَيُرَادِفُهُ الْمَهْرُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
( تُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ ) " لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْلُ نِكَاحًا مِنْهُ " وَلِئَلَّا يُشْبِهَ نِكَاحَ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِلْخُصُومَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَعْظَمَ الِاسْتِمْتَاعُ وَ لَوَاحِقُهُ وَذَلِكَ يَقُومُ بِالزَّوْجَيْنِ فَهُمَا كَالرُّكْنِ .
نَعَمْ لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ لَا يُسْتَحَبُّ ذِكْرُهُ فِي الْجَدِيدِ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ ، كَذَا فِي الْمَطْلَبِ وَالْكِفَايَةِ وَفِي نُسَخِ الْعَزِيزِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ ، وَالرَّوْضَةُ أَنَّ الْجَدِيدَ الِاسْتِحْبَابُ .
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الْعَقْدِ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةً خَالِصَةً لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُجَوِّزُ أَقَلَّ مِنْهَا وَتَرَكَ الْمُغَالَاةَ فِيهِ ، وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ خَالِصَةٍ . أَصْدِقَةُ أَزْوَاجِهِ مَا سِوَى أُمِّ حَبِيبَةَ وَبَنَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْفِضَّةِ لِلِاتِّبَاعِ ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ : لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
( وَيَجُوزُ إخْلَاؤُهُ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا .
نَعَمْ لَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَرَضِيَتْ رَشِيدَةٌ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ وَجَبَتْ تَسْمِيَتُهُ ، أَوْ كَانَتْ مَحْجُورَةً أَوْ مَمْلُوكَةً لِمَحْجُورٍ وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَجَبَتْ تَسْمِيَتُهُ .
الأم اقرأ →
كتاب الصداق
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام … اقرأ →
390 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : يَا رَبِّ عَوْنَكَ :
كِتَابُ الصَّدَاقِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " ذَكَرَ اللَّهُ الصَّدَاقَ وَالْأَجْرَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [ الْبَقَرَةِ : 236 ] فَدَلَّ أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِالْكَلَامِ ، وَأَنَّ تَرْكَ الصَّدَاقِ لَا يُفْسِدُهَا " .
الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَاقِ
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ : الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .
فَأَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النِّسَاءِ : 4 ] وَفِيمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ هَذَا الْخِطَابُ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَزْوَاجِ . وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَلَّكُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ صَدَاقَ الْمَرْأَةِ ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِدَفْعِ صَدَاقِهِنَّ إِلَيْهِنَّ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ وَفِي " نِحْلَةً " : ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : يَعْنِي تَدَيُّنًا مِنْ قَوْلِهِمْ : فُلَانٌ يَنْتَحِلُ كَذَا ، أَيْ يَتَدَيَّنُ بِهِ .
وَالثَّانِي : بِطِيبِ نَفْسٍ كَمَا تَطِيبُ النَّفْسُ بِالنَّحْلِ الْمَوْهُوبِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ نَحْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُنَّ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِلْكًا لِأَوْلِيَائِهِنَّ ، وَالنَّحْلُ : الْهِبَةُ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَّاهُ عَنْ شُعَيْبٍ فِي تَزْوِيجِ مُوسَى بِابْنَتِهِ ، قَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [ الْقَصَصِ : 27 ] وَلَمْ يَقُلْ عَلَى أَنْ تَأْجُرَهَا ، فَجَعَلَ الصَّدَاقَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ دُونَهَا ، ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا يَعْنِي الزَّوْجَاتِ إِنْ طِبْنَ نَفْسًا عَنْ شَيْءٍ مِنْ صَدُقَاتِهِنَّ : لِأَزْوَاجِهِنَّ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ خِطَابًا لِلْأَزْوَاجِ ، وَلِأَوْلِيَائِهِنَّ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ ، فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا يَعْنِي لَذِيذًا نَافِعًا ، وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [ النِّسَاءِ : 20 ] أَيْ قَدْ مَلَكْنَ الصَّدَاقَ ، وَإِنِ اسْتَبْدَلْتُمْ بِهِنَّ غَيْرَهُنَّ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ قِنْطَارًا ، وَفِي الْقِنْطَارِ سَبْعَةُ أَقَاوِيلَ :
391 أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ . وَهُوَ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالضَّحَّاكِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَالرَّابِعُ : أَنْهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، أَوْ مِائَةُ رِطْلٍ . وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةَ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ سَبْعُونَ أَلْفًا . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ .
وَالسَّادِسُ : أَنَّهُ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا . وَهُوَ قَوْلُ أَبَى نَضْرَةَ .
وَالسَّابِعُ : أَنَّهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ . وَهُوَ قَوْلُ الرَّبِيعِ .
فَذَكَرَ الْقِنْطَارَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ : لِأَنَّهُ لَا يُسْتَرْجَعُ إِذَا كَانَ صَدَاقًا ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا إِذَا اسْتَبْدَلَ بِهَا ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَرْجِعَهُ إِذَا لَمْ يَسْتَبْدِلْ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَعِيدًا عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِرْجَاعِ : أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [ النِّسَاءِ : 20 ] ثُمَّ قَالَ تَعْلِيلًا لِتَحْرِيمِ الِاسْتِرْجَاعِ : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا .
وَفِي الْإِفْضَاءِ هَاهُنَا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْجِمَاعُ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْخَلْوَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ عَقْدُ النِّكَاحِ الَّذِي اسْتَحَلَّ بِهِ الْفَرْجَ . وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ .
وَالثَّالِثُ : مَا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ النِّسَاءَ عَنْدَكُمْ عَوَانٍ ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، فَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ ، وَمِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا ، وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ، فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .
وَقَالَ تَعَالَى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [ النِّسَاءِ : 24 ] يُرِيدُ الصَّدَاقَ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَجْرِ : لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ .
وَفِي قَوْلِهِ " فَرِيضَةً " تَأْوِيلَانِ :
392 أَحَدُهُمَا : يَعْنِي فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةً . وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .
وَالثَّانِي : أَيْ مُقَدَّرَةً مَعْلُومَةً . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أَدُّوا الْعَلَائِقَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْعَلَائِقُ : قَالَ : مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ مَنِ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدِ اسْتَحَلَّ .
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا زَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيِّةً وَنَشًّا .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَتَدْرُونَ مَا النَّشُّ ؟ النَّشُّ : نِصْفُ أُوقِيَّةٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا ، تَعْنِي خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ : لِأَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا .
وَرَوَى الْمُنْذِرُ بْنُ فَرْقَدٍ قَالَ ، : كُنَّا عِنْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، فَقَالَ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَشَنًّا ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مَعِينٍ : صَحَّفْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّمَا هُوَ نَشٌّ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ .
﴿﴾ تِلْكَ الَّتِي جَاوَرَهَا الْمِخَشُّ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنْ نِسْوَةٍ صَدَاقُهُنَّ النَّشُّ ﴿﴾ فَأَمَّا أَمُّ حَبِيبَةَ ، فَقَدْ كَانَتْ أَكْثَرَ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَاقًا : لِأَنَّ النَّجَاشِيَّ أَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ عِنْدِهِ ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ
.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ أَوَلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ صَدَاقُ زَوْجَتِهِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ مَنْ ظَلَمَ زَوْجَتَهُ صَدَاقَهَا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ زَانٍ . قَالَهُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ .
وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَمُ عَلَى أَنَّ صَدَاقَ الزَّوْجَاتِ مُسْتَحَقٌّ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : بَيَانُ قَدْرِ الْعِوَضِ وَالْأَجَلِ ، فَيُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِ الْعِوَضِ وَصِفَتِهِ ، وَأَقْدَارُ الْآجَالِ ، وَمَا يُؤَدَّى عِنْدَ حُلُولِ كُلِّ نَجْمٍ . فَإِنْ كَاتَبَ عَلَى نَقْدٍ كَفَى الْإِطْلَاقُ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ مُنْفَرِدٌ أَوْ غَالِبٌ ، وَإِلَّا ، فَيُشْتَرَطُ التَّبْيِينُ . وَإِنْ كَاتَبَ عَلَى عَرَضٍ ، وَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْمُسَلَّمِ ، وَإِنْ كَاتَبَ عَلَى ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَهُ بَعْدَ سَنَةٍ ، وَنِصْفَهُ بَعْدَ سَنَةٍ ، وَنِصْفَهُ الْآخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَنَتَيْنِ ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ النِّصْفَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى ، تَعَيَّنَ النِّصْفُ الثَّانِي لِلثَّانِيَةِ ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْأَجَلِ فِيهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْآجَالِ ، وَلَا الْأَقْدَارِ الْمُؤَدَّاةِ فِي آخِرِ الْآجَالِ .
وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ خَمْسٍ ، وَالْبَاقِي عِنْدَ تَمَامِ الْعَشْرِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ عِنْدَ تَمَامِ 215 كُلِّ سَنَةٍ عَشَرَةً ، جَازَ . وَلَوْ قَالَ : تُؤَدِّي بَعْضَهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ نِصْفِ الْمُدَّةِ ، وَالْبَاقِي عِنْدَ تَمَامِهَا ، لَمْ يَجُزْ . وَلَوْ قَالَ : تُؤَدِّيهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : يَجُوزُ وَيُوَزَّعُ الْمَالُ عَلَى عَدَدِ السِّنِينَ . وَلَوْ قَالَ : فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا ، وَفِي سَنَةٍ كَذَا ، فَهَلْ هُوَ مَجْهُولٌ ، أَمْ يُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ ؟ وَجْهَانِ ، كَنَظِيرِهِ فِي السَّلَمِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ : فِي يَوْمِ كَذَا .
وَلَوْ قَالَ : فِي وَسَطِ السَّنَةِ ، فَهَلْ هُوَ مَجْهُولٌ ، أَمْ يُحْمَلُ عَلَى نِصْفِهَا ; لِأَنَّهُ الْوَسَطُ الْحَقِيقِيُّ ؟ وَجْهَانِ . وَلَوْ قَالَ : تُؤَدِّيهَا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ كِتَابَةٌ إِلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ . وَلَوْ قَالَ : كَاتَبْتُكَ عَلَى مِائَةٍ تُؤَدِّيهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، قَسَّطَ كُلَّ شَهْرٍ عِنْدَ انْقِضَائِهِ ، جَوَّزَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَمَنَعَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ حِصَّةُ كُلِّ شَهْرٍ . وَلَوْ كَاتَبَ عَلَى دِينَارٍ إِلَى شَهْرٍ ، وَدِينَارَيْنِ إِلَى شَهْرٍ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَدَّى الْأَوَّلَ ، عَتَقَ ، وَيُؤَدِّي الدِّينَارَيْنِ بَعْدَ الْعِتْقِ ، فَفِي صِحَّةِ الْكِتَابَةِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ .
فَرْعٌ
هَلْ يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَوْضِعِ تَسْلِيمِ النُّجُومِ ؟ ذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ أَنَّ فِيهِ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي السَّلَمِ ، وَذَكَرَ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَوْ عُيِّنَ مَوْضِعٌ ، فَخَرِبَ ، هَلْ يُسَلَّمُ فِيهِ ، أَمْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْهِ .
فَرْعٌ
لَوْ كَاتَبَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ ، فَسَدَتِ الْكِتَابَةُ ، فَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ لِسَيِّدِهِ فَأَعْطَاهُ ، عَتَقَ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ ، لَمْ يَعْتِقْ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ : إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَدَّاهُ ، عَتَقَ ، 216 وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ تَعْلِيقٍ ، وَهَذِهِ كِتَابَةٌ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، فَإِذَا وُجِدَ إِذْنُ الْمَالِكِ ، وُجِدَ مَا يَقْتَضِي الْمِلْكَ ، لَكِنْ يَجِبُ الرَّدُّ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْقِيمَةِ لِفَسَادِ الْكِتَابَةِ .
فَرْعٌ
إِذَا شَرَطَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ ، فَسَدَتِ الْكِتَابَةُ . وَلَوْ كَاتَبَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ، كَقَوْلِهِ : كَاتَبْتُكَ وَبِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِمِائَةٍ إِلَى شَهْرَيْنِ ، تُؤَدِّي نِصْفَهَا فِي آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ ، فَإِذَا أَدَّيْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَقَالَ : قَبِلْتُ الْكِتَابَةَ وَالْبَيْعَ ، أَوِ الْبَيْعَ وَالْكِتَابَةَ ، أَوْ قَبِلْتُهُمَا ، فَطَرِيقَانِ . أَحَدُهُمَا : عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ ، فَفِي قَوْلٍ : يَصِحَّانِ ، وَفِي قَوْلٍ : يَبْطُلَانِ .
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ : يَبْطُلُ الْبَيْعُ ، وَفِي الْكِتَابَةِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، فَيَصِحُّ بِجَمِيعِ الْعِوَضِ فِي قَوْلٍ ، وَبِالْقِسْطِ عَلَى الْأَظْهَرِ ، فَيُوَزَّعُ مَا سَمَّاهُ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَقِيمَةِ الثَّوْبِ ، فَمَا خَصَّ الْعَبْدَ ، لَزِمَهُ فِي النَّجْمَيْنِ ، فَإِذَا أَدَّاهُ ، عَتَقَ . وَإِنْ قُلْنَا : فَاسِدَةٌ ، لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْمَالِ لِيُحَقِّقَ الصِّفَةَ ثُمَّ يَتَرَاجَعَانِ . قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ قَوْلٌ : أَنَّهُ إِذَا أَدَّى مَا يَخُصُّ قِيمَتَهُ ، عَتَقَ ثُمَّ يَتَرَاجَعَانِ .
فَرْعٌ
كَاتَبَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ صَفْقَةً ، فَقَالَ : كَاتَبْتُكُمْ عَلَى أَلْفٍ إِلَى وَقْتَيْ كَذَا وَكَذَا ، فَإِذَا أَدَّيْتُمْ ، فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ ، فَالنَّصُّ صِحَّةُ الْكِتَابَةِ . وَلَوْ 217 اشْتَرَى رَجُلٌ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ ، كُلُّ عَبْدٍ لِرَجُلٍ مِنْ مُلَّاكِهِمْ صَفْقَةً ، فَالنَّصُّ بُطْلَانُ الْبَيْعِ . وَلَوْ نَكَحَ نِسْوَةً ، أَوْ خَالَعَهُنَّ عَلَى عِوَضٍ وَاحِدٍ ، فَفِي صِحَّةِ الْمُسَمَّى قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ . وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ الصُّورَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الطُّرُقِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ ، فَإِنْ أَفْسَدْنَا هَذِهِ الْكِتَابَةَ ، فَأَدَّوُا الْمَالَ ، عَتَقُوا بِالتَّعْلِيقِ ، وَإِنْ أَدَّ بَعْضُهُمْ حِصَّتَهُ ، فَهَلْ يَعْتِقُ ؟ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ .
أَصَحُّهُمَا : لَا ، لِعَدَمِ كَمَالِ الصِّفَةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إِنْ دَخَلْتُمُ الدَّارَ ، فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ ، فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ ، لَا يَعْتِقُ . وَالثَّانِي : نَعَمْ ، لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ، وَلِهَذَا يَتَرَاجَعَانِ . وَمُقْتَضَى الْمُعَاوَضَةِ أَنْ يَعْتِقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ ، ثُمَّ مَنْ عَتَقَ رَجَعَ عَلَى السَّيِّدِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْعِتْقِ ; لِأَنَّ سُلْطَةَ السَّيِّدِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْعِتْقِ ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فَسْخِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ ، وَإِنْ صَحَّحْنَا الْكِتَابَةَ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، وُزِّعَ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمْ . ثُمَّ الْمَذْهَبُ تَوْزِيعُهُ عَلَى قِيمَتِهِمْ لَا عَلَى عَدَدِهِمْ ، ثُمَّ كُلُّ عَبْدٍ يُؤَدِّي حِصَّتَهُ مِنَ النَّجْمَيْنِ ، فَإِذَا أَدَّاهَا ، عَتَقَ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عِتْقُهُ عَلَى أَدَاءِ غَيْرِهِ . وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ ، أَوْ عَجَزَ ، فَهُوَ رَقِيقٌ ، وَيَعْتِقُ غَيْرُهُ بِالْأَدَاءِ ، وَلَا يُقَالُ : عُلِّقَ بِأَدَائِهِمْ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ ، وَلِهَذَا إِذَا أَبْرَأَ السَّيِّدُ الْمُكَاتَبَ ، عَتَقَ ، وَإِذَا مَاتَ ، لَمْ تَبْطُلِ الْكِتَابَةُ ، بِخِلَافِ التَّعْلِيقَاتِ .

الحنابلة

المغني اقرأ →
160 كِتَابُ الصَّدَاقِ الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَعْنِي عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، بِالْفَرِيضَةِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقِيلَ : النِّحْلَةُ : الْهِبَةُ ، وَالصَّدَاقُ فِي مَعْنَاهَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَسْتَمْتِعُ بِصَاحِبِهِ ، وَجَعَلَ الصَّدَاقَ لِلْمَرْأَةِ ، فَكَأَنَّهُ عَطِيَّةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ .
وَقِيلَ : نِحْلَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ . وَقَالَ تَعَالَى : { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ; فَرَوَى أَنَسٌ ، { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَدْعَ زَعْفَرَانَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْيَمْ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَزَوَّجْت امْرَأَةً . فَقَالَ : مَا أَصْدَقْتهَا ؟ . قَالَ : وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ . فَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَك ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةِ } . وَعَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا . } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ .
( 5548 ) فَصْلٌ : وَلِلصَّدَاقِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ ; الصَّدَاقُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَالْمَهْرُ ، وَالنِّحْلَةُ ، وَالْفَرِيضَةُ ، وَالْأَجْرُ ، وَالْعَلَائِقُ ، وَالْعُقْرُ ، وَالْحِبَاءُ . رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ أَدُّوا الْعَلَائِقَ . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْعَلَائِقُ ؟ قَالَ : مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ } . وَقَالَ عُمَرُ : لَهَا عُقْرُ نِسَائِهَا . وَقَالَ مُهَلْهَلٌ : ﴿﴾ أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي ﴿﴾ ﴿﴾ جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَم ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْ بأبانين جَاءَ يَخْطُبُهَا ﴿﴾ ﴿﴾ خَضَّبَ مَا وَجْهُ خَاطِبٍ بِدَمِ ﴿﴾ يُقَال : أَصْدَقْت الْمَرْأَةَ وَمَهَرْتُهَا . وَلَا يُقَال : أَمْهَرْتهَا .
كشاف القناع عن متن الإقناع اقرأ →
كِتَابُ الصَّدَاقِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ : صَدُقَة بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِ وَصُدْقَة وَصَدْقَة بِسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا مَعَ ضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِهَا وَلَهُ أَسْمَاءُ الصَّدَاقِ وَالصَّدْقَةِ وَالْمَهْرِ وَالنِّحْلَةِ وَالْفَرِيضَةِ وَالْأَجْرِ وَالْعَلَائِقِ وَالْعَقْرِ وَالْحِبَاءِ وَقَدْ نَظَمْتُ مِنْهَا ثَمَانِيَةً فِي بَيْتٍ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿﴾ صَدَاقٌ مَهْرٌ وَنِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عَلَائِقُ ﴿﴾ يُقَالُ أَصَدَقْت الْمَرْأَةَ وَمَهَرْتهَا وَلَا يُقَالُ أَمْهَرْتهَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالنِّهَايَةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَسَتَقِفُ عَلَى أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ .
( وَهُوَ ) أَيْ الصَّدَاقُ ( الْعِوَضُ فِي النِّكَاحِ ) سَوَاءٌ سُمِّيَ فِي الْعَقْدِ أَوْ فُرِضَ بَعْدَهُ بِتَرَاضِيهِمَا أَوْ الْحَاكِمِ ( وَنَحْوَهُ ) أَيْ : نَحْوَ النِّكَاحِ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ وَالزِّنَا بِأَمَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ ( وَيُسَنُّ تَخْفِيفُهُ ) أَيْ : الصَّدَاقُ لِقَوْلِهِ 129 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ ضَعْفٌ .
وَقَالَ عُمَرُ " لَا تَغْلُو فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَة كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ .
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
كتاب الصداق
الإنصاف اقرأ →
كتاب الصداق
الفروع اقرأ →
256 بَابُ الصَّدَاقِ " مَسْأَلَةٌ 1 " قَوْلُهُ : وَفِي مَنْفَعَتِهِ الْمَعْلُومَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً رِوَايَتَانِ انْتَهَى . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ . إحْدَاهُمَا : يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَفُصُولِهِ ، وَصَاحِبُ الْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَصَاحِبُ الْبُلْغَةِ وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ وَالتَّصْحِيحِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا يَصِحُّ ، وَقَدْ لَاحَ لَك بِهَذَا أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ شَيْئًا ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ الصِّحَّةَ 257
( تَنْبِيهٌ ) . ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالتَّبْصِرَةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالْبُلْغَةِ وَغَيْرُهُمْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَنَافِعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، وَأَطْلَقُوا الْمَنْفَعَةَ وَلَمْ يُقَيِّدُوهَا بِالْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا قَيَّدُوهَا بِالْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ ، ثُمَّ قَالُوا : وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَصِحُّ فِي خِدْمَةٍ مَعْلُومَةٍ كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَلَا يَصِحُّ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً ، كَرَدِّ عَبْدِهَا الْآبِقِ أَوْ خِدْمَتِهَا فِي أَيِّ شَيْءٍ أَرَادَتْ سَنَةً . فَقَيَّدَ الْمَنْفَعَةَ بِالْعِلْمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُدَّةَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَفِي مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَقِيلَ الْمُقَدَّرَةُ ، رِوَايَتَانِ وَقِيلَ : إنْ عَيَّنَّا الْعَمَلَ صَحَّ ، وَإِلَّا فَلَا . انْتَهَى . فَتُلَخَّصُ ثَلَاثُ طُرُقٍ ، وَالْمُخْتَارُ مِنْهَا طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ .
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
كتاب الصداق
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
كتاب الصداق