15 · ص18
على ظاهره، ولا يلزم من ذلك أن يكون باطلًا، إذ ما كلُّ ما ليس بحق يكون باطلًا مطلقًا، وإلا لَمَا مازح النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ولما عَدَّه بعض الأئمة سُنَّةً مستحبة وعلى هذا: فالمزاح ضربٌ من الكلام المستحسن الذي لا يُؤخذ على أنه حق وصدق، كما لا يلزم منه أن يكون كذبًا وباطلًا، إذ بإمكان المرء أن يمازح أخاه متجنبًا الفحش في القول والفعل، والكذب والإخبار بخلاف الواقع.
وما أحسن ما قاله القاضي عياض في شرحه لحديث أم زرع:
قال: «وأما قول من قال: (إنما سُمي المزاح مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق)، فلا يصح لفظًا ومعنى، أما معنى: فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمزح ولا يقول إلَّا حقًّا. وأما اللفظ فإن الميم في المزاح أصلية، ثابتة في الاسم والفعل» اهـ.
16 · ص19
الباب الثاني
في ذكر ما روي عن السلف في ذم المزاح والإكثار منه
وردت نقول كثيرة جدًّا عن السلف الكرام في ذم المزاح والتزهيد فيه، والتحذير من الإكثار منه، لما يعقب ذلك من وحشة وتنافر وقطيعة وتناكر.
فمن تلك نقول:
١. ما صح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «لا يبلغ رجل حقيقة الإيمان حتى يدَعَ المِرَاءَ وهو مُحِقٌّ، والكذبَ في المزاح».
فكأنَّ عمر - رضي الله عنه - أراد حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه».