403 · ص70 · ج3
عليك عاقبة البغي وإساءة الجوار. فقالت له: وهل اقتناصي لأولاد الغزال. إلا كاقتناصي من أطراف الجبال. وما أنا تاركة قوتي وقد ساقه القدر إلى باب بيتي. فقال لها القرد: هكذا اغتر الفيل بعظيم جثته. ووفور قوته فبحث عن حتفه بظلفه. وأوبقه البغي رغم أنفه. فقالت اللبؤة: كيف كان ذلك. قال القرد: ذكروا أن قنبرة كان لها عش فباضت وفرخت فيه وكان في نواحي تلك الأرض فيل وكان له مشرب يتردد إليه. وكان يمر في بعض الأيام على عش القنبرة. ففي ذات يوم أراد مشربه فعمد إلى ذلك العش ووطئه وهشم ركنه. وأتلف بيضها وأهلك فراخها. فلما نظرت القنبرة إلى ما حل بعشها ساءها ذلك وعلمت أنه من الفيل. فطارت حتى وقعت على رأسه باكية وقالت له: أيها الملك ما الذي حملك على أن وطئت عشي وهشمت بيضي وقتلت أفراخي وإننا في جوارك. أفعلت ذلك استضعافاً بحالي وقلة مبالاة بأمري. قال الفيل: هو كذلك فانصرفت القنبرة إلى جماعة الطيور فشكت إليهم ما نالها من الفيل فقالت لها الطيور: وما عسانا أن نبلغ من الفيل ونحن طيور. فقالت للعقاعق والغربان: إني أريد منكم أن تسيروا معي إليه فتفقؤوا عينيه. فأنا بعد ذلك أحتال عليه بحيلة أخرى. فأجابوها إلى ذلك ومضوا إلى الفيل. ولم يزالوا به يتجاذبونه بينهم وينقرون عينيه إلى أن فقؤوهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ولا مشربه. فلما علمت
404 · ص70 · ج4
وفي أمثال العامة: من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل. فاحتذ بأمثلة من جرب. واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال. فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم. ولا تتكل على عقلك فإن النظر في ما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالباً بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصاً. وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة فاستفد منه ولا تضيع قوله ولا فعله. فإن في ما تلقاه تلقيحاً لعقلك وحثاً لك واهتداء. وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره. فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك فراع ذلك عندك وإلا فانبذه نبذ النواة. فليس لكل أحد يبتسم. ولا كل شخص يكلم. ولا الجود مما يعم به. ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد. ولله در القائل:
وما لي لا أوفي البرية قسطها ... على ما قدر ما يعطي وعقلي ميزان
وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر. فلا تعامل الدون بمعاملة الكفؤ. ولا الكفؤ بمعاملة الأعلى. ولا تضيع عمرك في من يعاملك بالمطامع ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة. ولا تجف الناس بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء. فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه. فلذلك قال الأول: ولما مضى سلم بكيت على سلم. وإياك والبيت السائر: