415 · ص72 · ج3
كما صبر غيرك عنك. فكما يدين الفتى يدان. وجزاء الدهر بميزان. ومن بذر حباً في أرض فبقدر بذره يكون الثمر. والجاهل لا يبصر من أين تأتيه سهام الدهر. وإن حقاً عليك أن لا تجزعي من هذا الأمر. وأن تتدرعي له بالرضا والصبر. فقالت اللبؤة: كيف لا أجزع وهو قرة العين وواحد القلب ونزهة الفكر. وأي حياة تطيب لي بعده. فقال لها القرد: أيتها للبؤة ما الذي كان يغديك ويعشيك. قالت: لحوم الوحوش. قال القرد: أما كان لتلك
الوحوش التي كنت تأكليها آباء وأمهات. قالت: بلى. قال القرد: فما بالنا لا نسمع لتلك الآباء ولا الأمهات صياحاً وصراخاً كما سمع منك ولقد أنزل بك هذا الأمر جهلك بالعواقب وعدم تفكرك فيها. وقد نصحتك حين حقرت حق الجوار. وألحقت بنفسك العار. وجاوزت بقوتك حد الإنصاف. وسطوت على الظباء الضعاف. فكيف وجدت طعم مخالفة الصديق الناصح.. قالت اللبؤة: وجدته مر المذاق. ولما علمت اللبؤة أن ذلك بما كسبت يدها من ظلم الوحوش رجعت عن صيدها ورمت نفسها باللوم. وصات تتقنع بأكل النبات وحشيش الفوات (بستان الاذهان للشبراوي)
ساعة
وهو مثل من يمنعه التفكر في مستقبل الأمر عن الانتفاع بالحاضر
٨٢ حكي أن ساعة قديمة كانت مركوزة في مطبخ أحد الدهاقنة
416 · ص72 · ج4
الغموم. ومن صغره إلى كبره لا تراه أبداً خلياً من فكرة حتى لقب بصدر الهم. ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم (وينشد) : توقع زوالاً إذا قيل تم. (وينشد) : وعند التناهي يقصر المتطاول. وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب. ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعاً. ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسداً لك وقصداً لتصغير قدرك عندك وتزهيداً لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك وتركن إلى العلم الذي مدحوه. فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه. ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل:
إن الغراب وكان يمشي مشية ... في ما مضى من سالف الأجيال
حسد القطا وأراد يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال
فأضل مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك كنوه أبا مرقال
ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله فيقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يرتاح فيه. فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الزمان. واستخفت طلعته للهوان. وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم وعجزوا عن طلب الأمور لأنفسهم بقطع أسبابهم. ولا تزل هذين البيتين من فكرك: