489 · ص84 · ج5
المقامة البصرية
حدثنا عيسى بن هشام قال: دخلت البصرة وأنا من سني في فتاء ومن الزي في حبر ووشاء. ومن الغنى في بقر وشاء. فأتيت المربد في الزي في رفقة تأخذهم العيون ومشينا غير بعيد إلى بعض تلك المنتزهات. في تلك المتوجهات. وملكتنا أرض فحللناها. فما كان بأسرع من ارتداد الطرف حتى عن لنا سواد. تخفضه وهاد وترفعه نجاد. وعلمنا أنه يهم بنا فأتلعنا له حتى أداه إلينا سيره ولقينا بتحية الإسلام. ورددنا عليه مقتضى السلام. ثم أجال فينا طرفه وقال: يا قوم ما منكم إلا من يلحظني شزرا. ويوسعني حزرا. وما ينبئكم عني. أصدق مني. أنا رجل من أهل الإسكندرية. من الثغور الأموية. قد وطأ لي الفضل ورحب بي عيش ونماني بيت. ثم جعجع بي الدهر عن ثمه ورمه. وأتلاني زغاليل حمر الحواصل:
كأنهم حيات أرض محلة ... فلو يعضون لذكى سمهم
إذا نزلنا أرسلوني كاسبا ... وإن رحلنا ركبوني كلهم
ونشزت علينا البيض وشمست منا الصفر. وأكلتنا السود وحطمتنا الحمر. وانتابنا أبو مالك. فما يلقانا أبو جابر إلا عن عقر. وهذه البصرة ماؤها هضوم. وفقيرها مهضوم. والمرء من ضرسه في شغل. ومن نفسه في كل. فكيف بمن
يطوف ما يطوف ثم يأوي ... إلى زغب محددة العيون
490 · ص84 · ج6
المسطور. وبيتي المعمور. والتوراة والإنجيل. والقرآن ذي التبجيل. إن لم تكف عني غربك. وتبعد مني قربك. لأكتبنك من الصم البكم. ولأسطرن عليك بعلمي سجلا بهذا الحكم. (قال السيف) : أما ومتني المتين. وفتحي المبين. ولساني الرطبين. ووجهي الصلبين. إن لم تغب عن بياضي بسوادك. لأسخمن وجهك بمدادك. ولقد كسبت من الأسد في الغابة. توقيح العين والصلابة. مع أني ما ألوتك نصحا. أفنضرب عنكم الذكر صفحا. (قال القلم) : سلم إلي مع من سلم. إن كنت أعلى فأنا أعلم. وإن كنت أحلى فأنا أحلم. وإن كنت أقوى فأنا أقوم. أو كنت ألوى فأنا ألوم. أو كنت أطرى فأنا أطرب. أو كنت أعلى فأنا أغلب. أو كنت أعتى فأنا أتب. أو كنت أقضى فأنا أقضب. (قال السيف) : كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شد أزري. (قال القلم) : كيف لا أفضلك وهو عز نصره ولي أمري.
(قال الحكم بين السيف والقلم) : فلما رأيت الحجتين ناهضتين. والبينتين بينتين متعارضتين. وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم. ورواية مسندة عن حديثة القديم. لطفت الوسيلة. دققت الحيلة. حتى رددت القلم إلى كنه. وأغمدت السيف فنام ملء جفنه. وأخرت بينهما الترجيح. وسكت عما هو عندي الصحيح. إلى أن يحكم المقر بينهما بعلمه. ويسكن