751 · ص128 · ج3
في التواضع والكبر
١٢٩ اعلم أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل. ويكسبان الرذائل. وحسبك من رذيلة تمنع من سماع النصح وقبول التأديب. وتسلب الرئاسة والسيادة. والكبر يكسب المقت ويمنع من التآلف. ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه. ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال: وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. ورأى رجل رجلاً يختال في مشيه فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي (للابشيهي) قال بعضهم:
قل للذي تاه في دنياه مفتخراً ... ضاع افتخارك بين الماء والطين
إذا تفقدت في الأجداث معتبراً ... هناك تنظر تيجان السلاطين
وأحسن من هذا القول قول القائل:
يا صاح لا تك بالعلياء مفتخراً ... إن كنت لم تول نفعاً قط بل ضررا
إني أرى شجر الصفصاف مرتفعاً ... إلى العلو ولكن لا أرى ثمرا
قال آخر:
اتضع للناس إن رمت العلا ... واكظم الغيظ ولا تبدي الضجر
واجعل المعروف ذخراً إنه ... للفتى أفضل شيء يدخر
احمل الناس على أخلاقهم ... فبه تملك أعناق البشر
752 · ص128 · ج4
السكوت. فكان الصمت جمالي. ولزوم الأدب كمالي. أقتنصت من البرية جبراً. وجلبت إلى بلاد الغربة قهراً. فلا بالسريرة بحت. ولا على الأطلال نحت. بل دأبت حين غربت. وقربت حين جربت. وامتنحت حين امتحنت. وعند الامتحان. يكرم المرء أو يهان. فلما رأى مؤدبي تخليط الوقت. خاف علي من المقت. فكم بصري بكمة: لا تمدن عينيك. وعقد لساني بعقدة: لا تحرك به لسانك. وقيدني بقيد: لا تمش في الأرض مرحاً. فأنا في وثاقي لا أتألم. ومما ألاقي لا أتكلم. فلما كممت وأدبت. وجربت وهذبت. استصلحني مؤدبي لإرسالي إلى الصيد. وزال عني ذلك القيد. فأطلقت وأرسلت. فما رفعت الكمة عن عيني. حتى أصلحت ما بينه وبيني فوجدت الملوك خدامي. وأكفهم تحت أقدامي:
أمسكت عن فضل الكلام لساني ... وكففت عن نظر الدنا لساني
ما ذاك إلا أن قرب منيتي ... لزخارف اللذات قد أنساني
أدبت آداب الملوك وعلمت ... روحي هناك ضنائع الإحسان
أرسلت من كف الملوك مجرداً ... وجعلت ما أبغيه نصب عياني
حتى ظفرت ونلت ما أملته ... ثم استجبت إليه حين دعاني
هذا لعمري رسم كل مكلف ... بوظائف التسليم للإيمان
إشارة الحمام
(قال) : فبينما أنا مستغرق في لذة كلامه. معتبر بحكمه