← المكتبة ▭ 1 page
مجاني الأدب في حدائق العرب
لويس شيخو الأدب 1346 هـ
A− A+
99 · ص19 · ج3
الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع. ألا وإن اليوم المضمار. وغداً السباق والسبقة الجنة والغاية النار. أفلا تائب من خطيئته. قبل منيته. ألا عامل لنفسه. قبل يوم بؤسه. ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل. فمن عمل في أيام أمله. قبل حصول أجله. نفعه عمله. ولم يضره أجله. ومن قصّر في أيام عمله قبل حصول أجله. فقد خسر عمله. وضر أجله. ألا فاعملوا في الرغبة. كما تعملون في الرهبة. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها. ولا كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل. ومن لا يستقيم به الهدى. يجذبه الضلال إلى الردى. ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد. وإن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل. ترودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا ٢٠ (عن نوفٍ البكالي) قال: رأيت أمير المؤمنين علياً كرم الله وجهه ذات ليلةٍ وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق. قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين. قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً وماءها طيباً والدين شعاراً والدعاء دثاراً. ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح (لبهاء الدين) الراهب الجرجاني مع الشيخ عمر الصيني ٢١ قال الشيخ عمر: مررت براهب وهو في صومعته فجرى بيني
100 · ص19 · ج4
منع لم يقنع. ينهى ولا ينتهي. ويأمر بما لا يأتي. يحب الصالحين ولا يعمل عملهم. ويبغض المذنبين وهو أحدهم. ويكره الموت لكثرة ذنوبه ويقيم على ما يكره الموت له. إن سقم ظل نادماً وإن صح أمن لاهياً. يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي. إن أصابه بلاء دعا مضطراً. وإن ناله رخاء أعرض مغتراً. تغلبه نفسه على ما تظن ولا يغلبها على ما يستيقن. يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ويرجو لنفسه بأكثر من عمله. إن استغنى بطر وفتن. وإن افتقر قنط ووهن. يقصر إذا عمل. ويبالغ إذا سأل. إن عرضت له شهوة أسلف المعصية وسوَّف التوبة. وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة. يصف العبر ولا يعتبر. ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ. بهو بالقول مدل. ومن العمل مقل. ينافس فيما يفنى ويسامح فيما يبقى. يرى الغنم مغرماً. والغرم مغنماً. يخشى الموت. ولا يبادر القوت. يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه. ويستكثر من طاعته ما يحتقر من طاعة غيره. فهو على الناس طاعن. ولنفسه مداهن. اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء. يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره. يرشد غيره ويغوي نفسه. فهو يطاع ويعصي. ويستوفي ولا يوفي. ويخشى الخلق على غير ربه ولا يخشى ربه في خلقه. قال جامع النهج كفى بهذا الكلام موعظة ناجعة وحكمة بالغة وبصيرة لمبصر وعبرة لناظر مفكر. (لبهاء الدين) .
→ prev 99–100 / 1900 next ←