← المكتبة ▭ 1 page
غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن
أحمد محمود الشوابكة التفسير
A− A+
109 · ص114
أخلاق نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن يقابل أحداً بمكروه، فقد أُثر عنه أنَّه كان يقول: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ" ١. ومن إمساكه ـ - عليه السلام - ـ عن غيبة أحد، نتعلَّم ألَّا نتلمَّظ بمُضْغَةٍ طالما لفظتها الكرام، وطالما ورد النَّهيُ عنها في القرآن، قال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)} [الحجرات] وطلب يوسف نقل الدَّعوة من محكمة (العزيز) إلى محكمة (الملك) بهذه الجرأة يدلُّ على ثقته بكسب الدَّعوة؛ لأنَّه واثقٌ بالبراءة. البراءَة أوَّلاً أبى ـ - عليه السلام - ـ الخروج من السِّجن حتى تجري التَّحقيقات اللَّازمة عمَّا نُسِبَ إليه، وحتى تبرأَ ساحتُه من تلك التُّهمة الشَّنيعة، ويعلم الناسُ جميعاً أنَّه حُبِس بلا جرم؛ لئلَّا يتسلَّق به الحاسدون إلى تقبيح أمره، وحطِّ منزلته عند الملك، فالبراءة أولاً، ثمَّ الخروج ثانياً. فهو يريد أن يعاد التَّحقيق في سبب دخوله السّجن، حتَّى إذا خَرَجَ خَرَجَ موسوماً بالبراءة والشَّرف والعزَّة، مرفوع الرَّأس، وافر الكرامة، والاجتهاد في نفي التُّهم واجبٌ وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها. ولا تعارض بين قول يُوسُفَ ـ - عليه السلام - ـ للسَّاقي: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)} وقوله لرسول الملك: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ (٥٠)} لأن هدفه في المرَّتين إعادة التَّحقيق في التّهمة الملفَّقة ضدّه، وإثبات براءته أخذاً بالأسباب. ثناءُ النَّبِيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على يُوسُفَ أثنى النَّبِيُّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على يُوسُفَ ـ - عليه السلام - ـ الَّذي طال عليه السِّجن ولم يستعجل
١ البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٣/ص ١٨٤) كتاب الشّروط.
110 · ص115
الخروج، فقال في حديثه الشَّريف: "لو لبِثْتُ في السِّجن ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثمَّ أتاني الدَّاعي لأجَبْتُهُ" ١ أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج، وما قدَّمتُ طلب البرءاة، فشهد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ليُوسُفَ بكمال فضيلة الصَّبر والأناة عنده، وحسن نظره. وقيل: المعنى إشارة إلى ترك العزيمة بالرُّخصة، وتقديم حق الله تعالى بتبليغ التَّوحيد والرِّسالة على براءة نفسه، وقيل: إنَّما قاله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قبل أن يعلم أنَّه أفضل الأنبياء والمرسلين، وقيل: هو من باب التَّواضع منه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ والثَّناء على صبر يُوسُفَ وحلمه، لا أنَّه لو كان مكانه عجَّلَ بالخروج، فحلم النَّبِيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ معلوم لدى الخواصِّ والعوامِّ، ولكن هذا من حسْن تواضعه، وقيل: أراد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن يُنبِّه على أنَّ الأنبياء وإنْ كانوا من الله بمكان لا يُرامُ، فهم بَشَرٌ يَطْرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم، وأنَّ ذلك لا يُعَدُّ نقصاً، وقيل غير ذلك. اعترافُ امرأة العزيز ببراءَةِ يُوسُفَ عادَ الرَّسولُ أدراجه إلى الملك، وأخبره بما حدث، فلم يغضب لنفسه لأنَّ يُوسُفَ لم يجب إرادته إلَّا بعد التَّحقيق عن سبب اعتقاله، سِعَة صدر منه، بل نزل عند رغبته، فلا بدَّ أنَّ ثقته بيُوسُفَ زادت وحسن اعتقادُه فيه، فاستقصى الأمور، وأعاد التَّحقيق، وجمع النِّسوة، ودعا معهنَّ امرأة العزيز، وواجههنَّ بإصبع الاتِّهام، وأجلسهنَّ مجلس الاستنطاق: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} مشيراً إلى أمرٍ لهنَّ جَلَل. ويلاحظ من كلامه أنَّه تأكَّد من براءة يُوسُفَ؛ فقد أسند للنّسوة تهمة المراودة. ويظهرُ أنَّه لم يكن هنالكَ مجالٌ للإنكار: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} تعجُّباً من عفَّته
١ البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ ج ٨/ ص ٧١) كتاب التَّعبير. ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٨/ج ١٥/ص ١٢٣) كتاب الفضائل، وأخرجه في كتاب الإيمان (م ١/ج ٢/ص ١٨٣).
→ prev 109–110 / 218 next ←