151 · ص156
المعنى، فهو يثير السَّامع لمعرفة معنى اللَّفظين المتقاربين في النُّطق المختلفين في المعنى.
وإنَّما أَسِفَ يَعْقُوبُ على يُوسُفَ، مع أنَّ المقام يستدعي أن يتأسَّف على أخيه؛ لأنَّ الحزن الجديد يُذَكِّر بالحزن القديم، كما قيل: "وإنَّ الأسى يبعث الأسى"، والشجا يُحيي الشَّجا، زد على ذلك أنَّ ليُوسُفَ في قلب يعقوب هوىً لاعِجاً.
ولا زال يعقوب ـ - عليه السلام - ـ يكْظم حُزْنَهُ وألمه، ويتجلَّدُ حتَّى ابيضَّت عيناه من الحُزْن، قال تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)} فقد بصره من شدَّة الحزن والحُرْقة واللَّوعة، وقيل: ضَعُفَ بَصَرُه حتَّى كاد لا يرى.
وما لَبِثَ ـ - عليه السلام - ـ مدَّة إلَّا وجاءَه أولاده، {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} وهي كلمة نصح وإشفاق عليه، يمازجها اللَّوم والتَّعجُّب، أي: والله لا تزال تذكرُ يُوسُفَ وتتفجَّعُ عليه، ولا تنفكُّ تضْرِبُ على هذا الوتر الحزين، {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} مشفياً على الهلاك مرضاً، وحتّى يذيبك الهمُّ {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)} بالموت أسىً وحسرةً؛ فإنَّ ذلك عاقبة الأسف والحُزْن.
{قَالَ} يعقوب ـ - عليه السلام - ـ ردّاً عليهم: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي ١} همِّي العظيم {وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} تعالى وحدَه، أي: لا أشكو إليكُم أو لغيرِكم مِن الخَلق، إنَّما أشكو إلى الخالق داعياً له وملتجئاً إليه، وما عليَّ إنْ أنا بثثتُ همِّي لخالقي؟! إنَّ الشكوى إليه تعالى من جنى الإِيمان:
لا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وسَلِ الَّذي أَبوابُهُ لا تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ... وبُنَيُّ آدَمَ حينَ يُسأَلُ يَغْضَبُ
ويختمُ يعقوبُ ـ - عليه السلام - ـ جوابَه لأولاده بقوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
١ البثُّ: أصعب الهمِّ الَّذي لا يُصبَرُ عليه حتَّى يُبَثَّ ويُنشَر إلى الغير.
152 · ص157
تَعْلَمُونَ (٨٦)}، من جميل تدبيره وخفيّ لطفه، فأنا أعلمُ سلامتهم، وأنَّ الله تعالى اجتبى يُوسُفَ وعلَّمه من تأويل الأحاديث، وأتمَّ نعمته عليه وعلى آل يعقوب، وأنَّ رؤيا يُوسُفَ حقٌّ، وسيأتي تأويلها باجتماعنا به، وستريكم الأيام ذلك.
ومن شكاية يَعْقُوب ـ - عليه السلام - ـ وتضرُّعه بالدُّعاء إلى الله تعالى وحده نفهم أنَّ هذا هو المطلوب شَرْعاً من كلِّ مؤمنٍ شاكٍ حزين.
الشِّكاية ملفوظة وملحوظة
اعلم أنَّ الشِّكاية نوعان: ملفوظة، وملحوظة. فأمَّا الملفوظة أو الملفوظ بها، فنحو قوله تعالى حكاية عن يعقوب: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)} وأمَّا الملحوظة المقدَّرة غير الملفوظ بها، فنحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)} [غافر] وقوله تعالى حكاية عن نوح - عليه السلام -: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي ... إِلَّا ... فِرَارًا (٦)} [نوح]
ائتلاف اللَّفظ مع اللَّفظ وائتلافه مع المعنى
ائتلاف اللَّفظ مع اللَّفظ: أن تتَّصفَ الألفاظ بحُسْنِ الجوار، وذلك بأن يقترن اللَّفظ الغريب بمثله، واللَّفظ المشهور بمثله، لتلائم الألفاظ بعضها بعضاً؛ عناية بحسن الجوار والمناسبة.
أمَّا ائتلاف اللَّفظ مع المعنى: فَأَنْ تلائم الألفاظ المعنى المراد، فإذا كان المعنى فخماً كانت ألفاظه فخمة، وإذا كان رشيقاً لطيفاً كانت ألفاظه كذلك ...
ومن شواهد ائتلاف اللَّفظ في اللَّفظ، قوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ... (٨٥)} فإنَّه تعالى جاء بأغرب ألفاظ القسم {تَاللَّهِ}