← المكتبة ▭ 1 page
غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن
أحمد محمود الشوابكة التفسير
A− A+
23 · ص25
رَأَى أَحَدُكُم ما يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ " ١. وَرَوى مُسْلِم عن جَابِرٍ عن رَسُولِ الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنَّه قال: " إذَا رَأى أحَدُكُم الرُّؤيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ ثلاثاً، ولْيَسْتَعِذْ بالله من الشَّيطَانِ ثَلاثَاً، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كَانَ عَلِيْهِ " ٢. ومِن مَجْمُوعِ الأحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ نَفْهَمُ أنَّه يَنْبَغِي لِلمُسْلِمِ أنْ يَعْمَلَ بِأسْبَابِ السَّلامَةِ الَّتي جَعَلَها اللهُ له، فإذا رَأَى ما يَكْرَهُ نَفَثَ عن يَسَارِه ثلاثاً، قائلاً: أَعُوذُ بالله من الشَّيطَانِ ومن شَرِّهَا ثلاثاً، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كانَ عَليهِ إلى جَنْبِهِ الآخر، وليُصَلِّ ركْعَتَينِ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ، فَيَكُون قَد عَمِلَ بالرِّواياتِ الشَّريفةِ كُلِّها، وإن اقْتَصَرَ على بَعْضِهَا أجْزَأَ في دَفْعِ ضَرَرِ الرُّؤيا كما صَرَّحت الأحادِيثُ الشَّرِيفَةُ، وهذه تَكُونُ سَبَباً لِعَدَمِ ضَرَرِهِ؛ كما جُعِلَت الصَّدَقَةُ لِوقايَةِ المالِ وَغَيرِه مِنَ البَلاءِ. يُوسُفُ ـ - عليه السلام - ـ يَقُصُّ رُؤيَاهُ عَلى أَبِيهِ دَخَلَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ذَات صَبَاحٍ على أَبيهِ يَعْقُوبَ ـ - عليه السلام - ـ ووقَفَ قُبَالَتَهُ بِأَدَبٍ وَوَقَارٍ، وبِلِسَانِ الاستِفْهَامِ والإخْبَارِ: {قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ} يعقوب {يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ} فِيمَا يَرَى النَّائِمُ {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} وذُكِر العددُ مطابقاً للتّأويل، فرؤيا الأنبياء حقّ {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} عطف على الكواكب على طريق الاختصاص إثباتاً لفضلهما، وقد جرى القرآن على تقديم الشَّمس على القمر، قال تعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ... (٢)} [الرّعد]، وقال: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)} [الرّحمن] وقال: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)} [القيامة].
١ مسلم "صحيح مسلم بشرح النووي" (م ٨/ج ١٥/ص ١٩) كتاب الرُّؤيا. ٢ المرجع السَّابق.
24 · ص26
{رَأَيْتُهُمْ} تأكِيد لفظيّ {لِي سَاجِدِينَ (٤)} نَزَلْنَ مِن عَلْيَائِهِنَّ وَسَجَدْنَ لِي (سُجود تَحيَّة)، وفي الكلام استعارة مكنيَّة فقد شبَّه الكواكب بقوم عقلاء ساجدين. فَأَدْرَكَ يَعقُوبُ ـ - عليه السلام - ـ عِنْدَ سَمَاعِهِ لهذهِ الرُّؤيَا الصَّالِحَة دلالَتَها، وعَلِمَ أنَّ هذهِ الرُّؤيا لَهَا خَطَرُها، وأنَّها تتضَمَّنُ مَجْداً وعِزّاً لِيُوسُفَ، وتُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنَالُها على إخوتِهِ، وأنَّ اللهَ يصْطَفِيهِ لِلنبُوَّةِ، وَيُنْعِم عَليهِ بِشَرفِ الدَّارينِ؛ فَخاف عَلِيهِ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوس إخوَتِهِ، فنَصَحَهُ ألَّا يَقُصَّها عليهم خَشْيَة أن تشْتَدَّ بِهِم الغَيرةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ. من أغراض التَّكرير يلاحظ في قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)} أنَّه كرَّر (رأيت)، وهذا التكرير غرضه في الآية أن يتَّصل أوَّل الكلام بآخره اتِّصالاً حسناً، فإنَّه إذا طال الكلام، وخشي نسيان أوَّله أعيد من جديد تطريةً له، واعتناء به، وتجديداً لعهده، وتأكيداً عليه، ولذلك تكرَّرت {رَأَيْتُهُمْ} إضافة للتَّأكيد بسبب إطالة الكلام بين الفعل والحال. فتكرير اللّفظ الأوَّل بعينه إنَّما هو للعناية به والتَّأكيد عليه، ومن ذلك في القرآن، قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)} [النَّحل] فقد كرَّر قوله: {إِنَّ رَبَّكَ} للغرض نفسه. والتَّكرير أبلغ من التَّأكيد، وهو أنواع ثلاثة: الأوَّل: أن يتكرَّر لفظه ومعناه، وسبقت الإشارة إليه، والثَّاني: ما يتكرَّر معنى لا لفظاً، وهذا أحياناً يكون فيه بين
→ prev 23–24 / 218 next ←