← المكتبة ▭ 1 page
غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن
أحمد محمود الشوابكة التفسير
A− A+
49 · ص52
جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ... (٣٤)} [غافر] وَتَمرُّ الأَيَّام، وَتَكرُّ الأَعوام، وَيَبْلغُ يُوسُفُ مُنْتَهى شِدَّتِه وَقوَّتِه، وَيَمنُّ الله تَعَالى عَلَيه جَزَاء إحْسَانه بِنِعمَتيْن فِيهِمَا الْخَير الكثير: الحُكْم والعلم، قال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)}. وَالْآيَة تَحضُّ عَلَى طَلَبِ الفِقه وَالعلم بالإحسان، فَمِنَّة الله تَعَالى لَيْسَت خَاصَّةً بِيُوسُفَ: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)}، كما يُطْلَبُ العِلمُ بِالتَّقْوَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ... (٢٨٢)} [البقرة]، وَبِالإِيمَان الحقِّ: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ... (١١)} [التَّغابن]، والاسْتزَادَة بِالدُّعَاء {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)} [طه] الحُكْم يأتي في القرآن بمعنيين الحُكْم: مصْدر للفعل الثُّلاثيّ حَكَمَ، ويرد في القرآن بمعنيين: الأوَّل بمعنى القضاء بالعدل، نحو قوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)} [الممتحنة]، وقوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ... (٤٣)} [المائدة] وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ ... (٧٨)} [النَّمل]. والثَّاني بمعنى الفقه والعلم، نحو قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)}، وقوله: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ... (٧٤)} [الأنبياء]، وقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ... (٧٩)} [الأنبياء] وقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)} [القصص]
50 · ص53
وقد يؤتى بهذا المصدر محتملاً المعنيين معاً، نحو قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)} [الإنسان] أي اصبر لقضاء العليم، ومثله قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)} [القلم] وقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)} [الطُّور] فهذا ممَّا يتَّسع فيه المعنى فيحتمل المعنيين كليهما: القضاء، والعلم. مُرَاوَدة امْرَأَة الْعَزِيز لِيُوسُفَ حَلَّ يُوسُفُ فِي قَلْب امْرَأَة العَزِيز محلاً كَبِيراً من حَيْث لا يَشْعُر، وَظَنَّت أنَّه حِينَ يَعْلَم بِمَيلِها يُسَرُّ السُّرُور الْعَظِيم {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} هَكَذَا عَبَّر القرآنُ الكريمُ عَن امْرَأَة العَزِيز بالاسم الموصول المفرد المؤَنَّث {الَّتِي} وهو المسند إليه، زيادة في التَّقرير، فهو مسوق لتنزيه يوُسُفَ، والسَّتر عليها. وفي قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ} كناية عن صفة، والكناية لفظ استتر معناه، لغرض، والغرض هنا التَّعبير عن المعنى القبيح المستهجن بالكناية عنه باللَّفظ المهذَّب الَّذي لا ينبو عنه الطَّبع، فقوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} كناية عن المخادعة، وما احتالت به. {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} وَأَحْكَمَت إغْلَاقَهَا وإطباقها، وَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِها، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} واللَّام في {لَكَ} للتَّبيين، والمعنى: هَلُمَّ، أقبل، تَعَال أقول لك! وَهَذَا نِدَاء نَفْسها الأمارة الَّتي زَيَّنَت لها السُّوءَ، وكلمة {هَيْتَ} وحيدة في القرآن مادَّة وصيغة. فَلمَّا سَمِع ـ - عليه السلام - ـ نِدَاءَهَا، وَعَلم مُرَادَها؛ خَيَّبَ فَأْلَها، وَرَدَّ كَيْدَهَا إِلى نَحْرها، وَتَعَفَّف، وَامْتَنَع، وأَبَى إبَاءً شَدِيداً، وَدُون أدْنى تَفْكِيرٍ وَبِلِسَان التَّقْوَى {قَالَ مَعَاذَ
→ prev 49–50 / 218 next ←