91 · ص95
الْبَلَاغُ ... (٤٨)} [الشُّورى] وقوله تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)} [آل عمران] وقوله تعالى: {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)} [الرَّعد]. الفرق بين {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} و {مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}
(أَنْزَل) فعل ثلاثيٌّ مزيد بهمزة قطع في أوَّله على وزن (أَفْعَل)، و (نزَّل) فعل ثلاثيٌّ مضعَّف مزيد بحرف من جنس عينه على وزن (فعَّل). وهذه الزِّيادة لها غير معنى، فالزَّائد في اللُّغة ـ صرفاً كان أم نحواً ـ ليس وجوده كعدمه، وإنَّما هو اصطلاح صرفيّ أو نحويّ، له وظيفة يؤدِّيها، وغرض يأتي من أجله، ومعنى يدلُّ عليه، فزيادة المباني تدلُّ على زيادة المعاني.
وقد يَرِدُ (أَفْعَل) و (فَعَّل) في تعبير واحد، لكن المعنى يختلف، ومن ذلك قوله تعالى ـ في سُورَةِ يُوسُفَ ـ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٤٠)} [يوسف] وقوله تعالى ـ في سورة الأعراف ـ: {مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٧١)} [الأعراف].
والنَّاظر في سياق الآيتين يدرك الفرق بينهما، والفرق بينهما يتلخَّص في أنَّ (فَعَّل) آكد من (أَفْعَل)؛ ففي سورة يُوسُفَ لم يَرُدَّ الفتيان على يُوسُفَ لمَّا عَرَضَ عليهما التَّوحيد، ولم يجادلاه، قال: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)} [يوسف] فجاء الفعل (أنزل) لذلك.
بخلاف ما في الأعراف، فقد ردُّوا على نبيِّهم هود، وجادلوه بالباطل: {قَالُوا
92 · ص96
أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)} [الأعراف] فردَّ عليهم نبيُّ الله هود: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)} [الأعراف] فما في الأعراف أشدُّ تعنُّتاً، فجاء الفعل (نزَّل) المشدّد للمبالغة والاهتمام.
فما استخدم فيه (فعَّل) أهمُّ وآكد من (أَفْعَل) وهناك غير شاهد، وغير معنى، ومن هنا نفهم أنَّ الله تعالى جعل كلَّ لفظة في القرآن في مستقرِّها ومستودعها، وليس في القرآن لفظة مقحمة، أو غير مقصودة، فلو نزعت لفظة، ثمَّ بدأت بالمعاجم من ألفها إلى يائها بحثاً عن لفظة تقوم مقامها ما وجدت خيراً منها.
تأْويلُ يُوسُفَ رؤيا الفتيين
هذه عِظَةُ يُوسُفَ، وسواء كانت نفخةً في نارٍ أو في رماد، فقد فتح لنا ـ - عليه السلام - ـ بَابَ الوعْظِ والإرشاد على مصراعيه، والقرآن الكريم يرشدُنا إلى هذه الفكرة الحميدة، فيقول تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)} [آل عمران].
وبعد أن أتمَّ نُصحَه ـ وهما يصغيان إلى درسه ـ عَادَ أدراجَه يجيبهما عمَّا سألاه عنه، فلا شَكَّ أنَّهما مشغوفان لسماع التَّأويل، فقال ليقوِّي ثقتهما به: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} يكونُ مصيرُه الخلاص، ويسقي سيِّده خمراً {وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ} لحم {رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)} فهو كائن كما قضاه الله تعالى؛ تأكيداً وجزماً لتعبيره، ولم يُعَيِّن يُوسُفُ صَاحِبَ المصير الحسن ولا السيئ رعايةً لحُسْنِ الصُّحبة.