← المكتبة ▭ 1 page
غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن
أحمد محمود الشوابكة التفسير
A− A+
97 · ص101
لا يُضُافُ إليه إلَّا الخير إرادة محبَّة وتسليم، مع أنَّ الخير والشَّرَّ من الله وبقضائه. وانظر قوله: {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ... (٣٤)} فقد أضاف ما مِنْه الرَّحمة إليه سبحانه، ولمَّا ذكر السّجن، قال: {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)} فأضاف ما منه الشَّر إليهم. وتأمَّل قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)} [الفاتحة]، فذكر سبحانه أنَّه فاعل النِّعمة، وحذف فاعل الغضب، وأضاف الضَّلال إليهم. وتأمَّل قول موسى لما قتل القبطي: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... (١٥)} [القصص] نسبه إلى الشَّيطان، فالشَّرُّ لا يضُاف إلى الله على انفراد؛ لما فيه من توهُّم النَّقص والعيب. وقال تعالى مخبراً عن إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ أنَّه، قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)} [الشّعراء] فأضَافَ المرَضَ إلى نفسِهِ والشِّفاء إلى الله تعالى، وإنْ كان المرض والشِّفاء منه سبحانه، وهذا مطَّرد في فصاحة القرآن، وإِنَّما ذكرناه لأَنَّ اطِّراد مثل هذا مما يجهله البعض. ومن ذلك أنَّ الخضر ـ - عليه السلام - ـ أضاف إرادة العَيْب إلى نفْسِه، فقال: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ... (٧٩)} [الكهف] ولما ذكر الخَير والبِرَّ والرَّحمة أضاف إرادتها إلى الله تعالى، فقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... (٨٢)} [الكهف]. ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجنّ: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)} [الجنّ] فحُذِف الفاعل في إرادة الشَّر، وبُني الفعل
98 · ص102
{أُرِيدَ} للمجهول، أمَّا في إرادة الرُّشد فقد أسند الفعل إليه سبحانه وبني للمعلوم. ومن سورة يُوسُفَ سيأتي قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ... (١٠٠)} فأضاف الإحسان إلى الله تعالى، وأضاف النَّزغ إلى الشَّيطان. رُؤيا الملك ولمَّا أراد اللهُ تعالى الفَرَجَ عن يُوسُفَ وإخراجه من السِّجن، رأى ملك مِصْرَ رؤيا عجيبة أهمَّته؛ فَجَمَعَ أشْرافَ القوم وسَراتَهم وعِلْيَتَهم ورِجَالَ حاشيته ومَن يظنُّ به العلم، وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها، فأعجزهم الله تعالى جميعاً؛ ليكونَ ذلك سبباً في خَلاصِ يُوسُف ـ - عليه السلام - ـ من السِّجن. قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} ممتلئات لحماً وشحماً {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ} أخر {عِجَافٌ} مَهْزُولة في غاية الهُزَال {وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ} قد انعقد حبُّها {وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} وسبع سنبلات أُخَر يابسات، فالتَوت اليابِسَاتُ على الخُضْرِ حتَّى غلبتها. وفي قوله: {سِمَانٍ} و {عِجَافٌ} و {خُضْرٍ} و {يَابِسَاتٍ} طباق إيجاب بديع حسن. {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ} خطابٌ للأشراف {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} أخبروني عن تأؤيل هذه الرؤيا وبيِّنوا لي ما تؤولُ إليه من العاقبة {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)} وتُجيدونَ تعبيرها وتعرفونَ تأويلها، وهذه الجملة تفيد أنَّ الملكَ لم يكنْ على ثقةٍ من أنَّهم يعبِّرون الرُّؤيا.
→ prev 97–98 / 218 next ←