← المكتبة ▭ 1 page
لباب الآداب للثعالبي
أبو زيد الثعالبي الأدب 875 هـ
A− A+
67 · ص91
رؤياه، قرع ناجذَ الحِلم، ارتاضَ بلجام الدَّهر، عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشيب. استحكامُ الشَّيبِ وبلوغُ الشيخوخة عرفَ الستين فأنكر نفسَه، صار في مَعرك المنايا، تضاعفتْ عقودُ عمرِه، وأخذتِ الأيام من جسمِهِ، فُلانٌ أحدٌ ذوو الأسنانِ العالية، والصُّحبةِ للأيام الخالية. الهَرَمُ ومشارفَةُ الفناء شيخ قد تراخى مَداهُ، وذهب أطيباهُ، همّ هَرِمٌ، قد أخذَ الزمانُ من عقلِه كما أخذَ من عمرهِ، حتى قوّسه الكِبَرُ، ثقلتْ عليه الحَرَكة، وأخذته السَنُّ العالية، اختلفت إليه رسل المَنيةِ، ما هو إلا شمسُ العصرِ على القَصْرِ، أركانه قد وَهَتْ، ومُدّته قد تناهتَ، هل بعد الغاية منزلَةٌ، أم بعدَ المشيب غَيرَ الموت مَرْحلةٌ، ليس بعد الخرف إلا التَّلَف، قد أخلَق عمرُه، وانطوى عَيشُهُ، وبلَغَ ساحلَ الحياةِ، ووقفَ على ثنية الوداع، وأشرفَ على دارِ المقام، وشَدَّ رحلَه للرحيل، وللَحاق باللطيف الخبير.
68 · ص92
الباب التاسع في الطّعام والشّراب وما ينضاف إليهما من الفواكه والثمار عنبٌ كأنَّه مخازنُ البلّور، وظروفُ النُّور، وأوعيةِ السرور، أمهات الرحيق، في مخازنِ العقيقِ، وطْبٌ كأنّه شهدة بالعقيق مقنعاً، وبالعقيان مُقَمّعَةَ، رُمّانة كأنها صُرَّة ياقوت سفرجلٌ له زَبيرُ الخَزّ الأخضر، على الديباجِ الأصفر، تفاحٌ يجمع وَصْفَ العاشقِ الوَجل والمعشرق الخَجِل، نسيم العنبر، وطعْمُ السّكّر، رسول المحب، وتشبيه الحبيَب، تينٌ كأنه سُفرة مضمومةٌ على شَهْدٍ أو سُكر. وَصْفُ القُدورِ قد قامتْ خُطباء القُدور، فاحت القدور بأطيبِ من المسكِ الأذفر، وريح العنبر، قدورٌ أبكارٌ، بحواتيم النار، قدرٌ طاب غَرْفُها، وطابَ عَرْفُها، دَهماء تهدرُ كالفنِيق، وتفوح كالمِسك الفَتيق. وَصْفُ الموائدِ مائدة مثل عَروس مائلةٍ، لطيفَة محفوفةٌ، بكل طريقة، مائدةٌ كالعروش مجلوّة، ومن الطيبات مَملّوءة، مائدةٌ قَدْ زخرفت رياضُها ومُلئت حياضُها، مائدةٌ كأن قد عملها صُناع صنعاء.
→ prev 67–68 / 198 next ←