← المكتبة ▭ 1 page
لباب الآداب للثعالبي
أبو زيد الثعالبي الأدب 875 هـ
A− A+
9 · ص33
المُهل، قد سار صباحُهم، وقَرُبَ اجتياحُهم، وتطايَرت فَرَقاً أرْواحُهُم، أشعرت نفوسهم التلاقي فبلغت التراقي، رأوا الأنوار ظُلَماً، والأشخاصَ بهُماً، والآكامَ رِجالاً، والخيالَ خيلاً عجالاً، أحسّ قربَ الموتِ، وضيقَ العيشِ، وضَعْف الجأشِ، واضطراب الجيش، لم يرعْه إلا نذيرُ الجيوشِ قد جاشت فطار جأشهُ، وتخاذلت أوْباشُه، تقدمهم الأدْبارُ وهم يتأخرون، كأنما يُساقون إلى الموتِ وهم ينظرون. مسيرُ الملك في جنودِه والتفاؤل له سارَ مَوْلانا والسماءُ تحدُ الأَرضَ بسَيرهِ، والنجوم تودُّ لو جَرت معِ سنابكِ خَيلهِ، أقبل مسعودَ الكواكبِ، منصورَ المواكبِ، تُخرجُ معه الأرضُ أثقالها، وتسيرُ جبالَها، نهض مَوْلانا والسُعودُ تواكبه، والمناجِحُ تصاحبهُ، ومعونَةُ الله تقدمُه، وصوائبُ العَزَماتِ تخدمهُ، جَلل مَولانا هذا الخطب عظم حركته، وعشاه كبر مسيره عن دار مَمْلَكَته، قد كادَتِ السماءُ تَميدُ إعظاماً لنُهوضِهِ، والأرضُ تسير مَعَ خُيولهِ، سارَ مولانا بأسعَدِ الطوالعِ والفواتِح، وأحمد الميامن والمناجِح، سار مولانا فخِلتَ الأرض مائجة، والبحارَ هائجة، والنجوم مُنكدرة، والسماء مُنفطرة، أقبلَ والإقبالُ صاحبهُ، والنصر مُصاحبُه، والظفَرُ يقدُمُهُ أعلامهُ والسعْدُ يخدم أيامَهُ، استقبل بمولانا مع المسير شايماً ببروق العز، مقدماً كتائبَ الرُعب، مُستصحِباً مفاتحَ النَّصر. وصفُ الجيش بالكثرة والشَّولَة خَيْلٌ كقِطع الليل، ورجال خُلقوا لقَطْعِ الآَجال، وجيوش تجيش لها الأرض، ويشتجر منها الطُول والعَرْض، جيش كالليل بكثرةِ الخَيل، وكالنهار بوضوحِ الآثارِ، عساكرٌ تتابع أفواجُها، ويتدافع أمواجُها، جيوشٌ تقوى اللهِ زادُها، ونصرُ اللَهِ
10 · ص34
عَتادُها، عَسكرٌ وافرُ المَددِ، كثيفُ العَدَد، كثيرُ العُدَد، ما هُم إلا بحارٌ، ماؤها من حديد، وجبال من بأسٍ شَديد. وصفُ الأبطالِ وأبناء الحروب كُل شُجاع قد تعود الإقدام، حيث تزلُ الأقدام، وبَطل يرى الإحْجام عاراً لا تمحوهُ الأيام، سَيفُهُ أمُ الآجال، ورُمحهُ يُتْم الأَطفال، ما لسَيفِهِ غير الرقاب قراب، وقد مَلأَ الأرضَ دماءً، والسماء هباء حجل الخيلَ بدماء أعدائهِ، وجعل هاماتِهم قلانسَ رماحِه، رُمحهُ الطويل يقصِّر آجالَ الرجال، هم كالأسود إقداماً، والنيران اضطراماً، هم أُسود الحربِ في غابة الحديد، حملاتهم أَتيُ السيلِ، ومجيئُهم مجيءُ الليلِ، أبناء الغايات، وليوثُ الغابات، الحروب دأبهُم، والجدُ آدابهُم، والنصر طُعمهم، والعَدو غُنمهم، قلوبُ أسودٍ في صدور رجالٍ، ورياح زعازعٍ في ثياب جبال، هم على الأعداء بلاءٌ واقع، وسُمُ ناقعٌ. تعبئةُ الجيوشِ وحُسن ترتيبها رتب مولانا المقاوم عموماً وخصوصاً، وعَبى المقانب بنياناً مَرْصوصاً، أمر بتَسوِيَةِ الصفوف التي لا خلل بها، وانتضى السيوفَ التي لا خَلل لها، عَبى جيوشَه المتصورة ميامَن تضمنت اليُمن، ومياسر شافَهَتِ اليُسر، ووقف في القلب يَسَعُ الزمان، ويرجح الجبال، رَتّبَ فلاناً في ميمنتهِ التي يقاربُها اليمن والنجاح، وفلاناً في مَيسَرته التي يقارنها اليُسر والفلاح، وصار هو وغِلمانهُ قلباً قالباً لما قابله ناكساً لما واجهه. اشتدادُ الحَربِ وحَمْيُ وطيسها سارَتِ الجموع إلى الجموع، وبَرَقتِ الأبصارُ بلمعانِ الدُروع، وحمي
→ prev 9–10 / 198 next ←