← المكتبة ▭ 1 page
الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها
سعيد بن ناصر الغامدي الفرق والأديان والردود
A− A+
129 · ص130 · ج1
شخصيّ للعالم، والعالم -من وجهة نظر الربوبية- قد تُرك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خُلق، وكان أول ظهور الربوبية في إنجلترا، وهربرت أوف تشيربوري ٩٩١ - ١٠٥٨ هـ/ ١٥٨٣ - ١٦٤٨ م هو "أبو الربوبية"، وحيث كانت تسود المفاهيم الدينية الإقطاعية فإن الربوبية كانت غالبًا ما تتخذ شكلًا زأئفًا من المذهب الإلحاديّ) ١. هذا هو المذهب الربوبيّ كما يسميه فلاسفة الغرب، وقد انتشر من إنجلترا وعبر القنال إلى سائر القارة الأوربية، وأصبح جزءًا من حركة الفلاسفة الكبار في فرنسا ٢. وفي حقيقة الأمر أن هذا المذهب وإن كان أصحابه يقرون بأن الكون له موجد إلّا أنهم أقرب إلى الإلحاد منهم إلى الإثبات كما في التعريف السابق أن هذا المذهب اتخذ شكلًا زائفًا من المذهب الإلحاديّ، فهو عبارة عن مسخ فكري ماديّ لايؤمن باللَّه كما هو عليه -سبحانه وتعالى- من صفات، ولا يقول بأقوال صريحة في الإلحاد، ويتجلى ذلك في شخصية فولتير صنم الحداثيين وقبلتهم الفكرية، فقد هاجم الأناجيل والكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، وعدّى ذلك بنظرته التشاؤمية إلى سائر الأديان باعتبارها مصدرًا للتعصب والتعسف والظلم، ورفض علم ما بعد الطبيعة لأنه مصدر تعاسة الإنسان كما يقول فولتير، وخلص إلى رفض العقائد الدينية والوحي والمعجزات، وآمن بدين ألوهيّ خاص به كما يقول المترجمون له، وأن للكون إلهًا علويًا غامضًا لا يعنى بشؤون الناس والكون، ولا يعنى بتنظيم حياة البشر، وقد نزع في كل ذلك نزعة أبيقورية ٣.
١ المعجم الفلسفي لأكادميين سوفييت: ص ٢٢٧ وفيه ذكر أسماء الذين يعتقدون بهذه العقيدة بعضهم ممن ورد في الهامش السابق. ٢ انظر: تاريخ الفكر الأوربيّ لرونالد سترومبرج، ترجمة أحمد الشيباني ٢/ ٥٥، ٥٩، ٦١، ٦٤، وفيه ذكر أنه انتشر نتيجة لقصائد فولتير، وأن من رموزه ديدرو وجون ثولاند، وماثيوتندال، وانتوني كولنز. ٣ نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور الذي يعد من أوائل الفلاسفة الملحدين، وقد سبقت ترجمته ص ١١٣.
130 · ص131 · ج1
وقرر في كتبه أن إلهه الذي يؤمن به لا شخصي وأنه فوق مستوى الإدراك، وسبب قوله بهذا القول أن العقل يجزم بوجود عقل أعلى خالق للكون -حسب تعبيره- ويقول: لو لم يكن اللَّه موجودًا لوجب اختراعه ١. والآن بعد ذكر جذور الإلحاد وأكابر الملحدين الغربيين الذين هم قدوة ملاحدة العرب من المثقفين وغيرهم، سوف نخلص إلى بيان أنواع الانحراف الاعتقاديّ في الأدب المعاصر في قضية وجود اللَّه تعالى وربوبيته وذلك من خلال العناصر التالية: ١ - نفي وجود اللَّه تعالى أو التشكيك في ذلك. ٢ - نفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا "نفي توحيد الربوبية". ٣ - نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم والخلق. ٤ - الزعم بأن الوجود عبث. ٥ - نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى، وتسمية غير اللَّه خالقًا. ٦ - نسبة الربوبية إلى غير اللَّه تعالى. ٧ - السخرية والتدنيس والاستخفاف بالخالق الرب -جلَّ وعلا- وتوحيد الربوبية. والآن إلى تفصيل ذلك وإثبات شواهده: أولًا: نفي الحداثيين لوجود اللَّه تعالى، أو التشكيك في ذلك: يربط أكثر الحداثيين بين التحرر الذي يصبون إليه، والتقدم الذي يزعمونه ويدعونه، ونفي وجود اللَّه تعالى وجحد كونه خالقًا مدبرًا لهذا الكون وفلسفتهم تقوم على إبعاد الثنائية عن العالم والإنسان، وإزاحة مفهوم أن الكون ينقسم إلى خالق ومخلوق.
١ انظر ترجمة فولتير (١١٠٥ - ١١٩٢ هـ/ ١٦٩٤ - ١٧٧٨ م) وهذه الأقوال عنه في موسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ١٧٠ - ١٧٧، ومعجم الفلاسفة: ص ٤٣٤ - ٤٣٨، والموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص ٣٤٩.
→ prev 129–130 / 2275 next ←