985 · ص988 · ج2
والذين يتسحرون، والذين يصلون على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والذين يعودون المرضى، ويؤمنون على دعاء المؤمنين، ويستغفرون لهم، ويشهدون مجالس العلم وحلق الذكر، ويحفونه أهلها بأجنحتهم، ويسجلون الذين يؤمون الجمع الأول فالأول، ويتنزلون عندما يقرأ المؤمن القرآن، ويبلغون الرسول عن أمته السلام، ويبشرون المؤمنين بالخير والرزق والذرية كما بشروا إبراهيم عليه السلام، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في حروبهم، ومنهم من وكل بحماية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الخصوص، ومنهم من يشهد جنازة بعض الصالحين، ويظللون الشهيد بأجنحتهم، ومنهم من وكل بحماية مكة والمدينة من الدجال، وينزل مع عيسى عليه السلام آخر الزمان ملكان، ويرسلهم اللَّه بعذاب الكفار مثل إهلاك قوم لوط، ويلعنون الكافرين، والمرأة التي لا تستجيب لزوجها، ومن أشار إلى أخيه بحديدة، ومن سبّ أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن يحول دون تنفيذ حد من حدود اللَّه، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ الشريعة كلها؟، ويلعنون الذي يؤوي محدثًا.
أمّا رؤيتهم على حقيقة خلقتهم التي خلقهم اللَّه عليها فلا يستطيع ذلك الناس، لعجز أبصارهم عن ذلك، وقد رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جبريل -عليه السلام- في صورته التي خلقه اللَّه عليها مرتين.
أمّا إذا تمثلت الملائكة في صورة بشر فتمكن رؤيتهم، وقد طلب الكفار رؤية الملائكة في معرض تكذيبهم بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبرهم اللَّه أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة هو يوم عذاب وغم عليهم، وذلك يكون عندما ينزل بهم الموت فينكشف الغطاء ويرون ملائكة العذاب، ويكون عندما يحل بهم العذاب يوم القيامة فتدفعهم الملائكة إلى نار جهنم دفعًا، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)} ١.
١ الآيتان ٢١ - ٢٢ من سورة الفرقان.
986 · ص989 · ج2
هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، أهل الحق والعلم والإيمان، وكل جملة من الجمل التي ذكرتها عليها دليل صحيح ١.
والآن إلى موقف أرباب أدب "الحداثة" وفكرها من هذا الركن العظيم: الإيمان بالملائكة الكرام عليهم السلام.
والناظر في مؤلفاتهم وإنتاجهم يرى أنهم انحرفوا في هذا الأصل مثلما انحرفوا في غيره من أصول الإيمان، ويتمثل انحرافهم في هذا الأصل في ثلاثة أوجه، هي:
١ - نفي وجود الملائكة.
٢ - وصف الملائكة بما لا يليق بهم، والتهكم والسخرية بهم.
٣ - إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم.
• • •
الوجه الأول: من أوجه انحرافهم في الملائكة: نفي وجود الملائكة عليهم الصلاة والسلام:
إن الفكر المادي الذي بث قيحه في عقول وقلوب الحداثيين والعلمانيين العرب، يؤدي إلى عدم الإيمان بالغيبيات والتي منها الإيمان بالملائكة، فقد مات في عقولهم وقلوبهم أي اتجاه نحو الإيمان بالغيب، وقد ذكرت في الفصل الأول من الباب الأول هذه القضية وأسبابها ونتائجها، مع مناقشة موجزة ونقض لهذا الاتجاه.
وغير مستغرب على من يجحد وجود اللَّه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الذي أدلة وجوده أكثر من عدد المخلوقات، أن يجحد وجود الملائكة عليهم السلام،
١ انظر تفصيل القول في الملائكة في: كتاب عالم الملائكة الأبرار للشيخ عمر الأشقر، والإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه لـ د/ محمد نعيم ياسين: ص ٣٩ - ٥٩، ومعارج القبول ٢/ ٦٣ - ٧٣، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص ٢٧ - ٣١، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص ١٦ - ١٨.