293 · ص293
٢ - الزكاة مطهرة للعبد من الذنوب وتزكية له ولماله:
قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: ١٠٣].
يقول الطبري: «يقول -تعالى ذكره- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} من دنس ذنوبهم {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} يقول: وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها إلى منازل أهل الإخلاص» ١.
ويقول ابن سعدي: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» ٢.
والمسلم إذا تطهر من شح نفسه وبخلها، وألف إنفاق المال وبذله لله، وإيصاله لمستحقيه، قوي قلبه وزكت نفسه، وارتقى من وحل البخل والشح، وسلك مسلك المفلحين كما قال ربنا: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)} [التغابن: ١٥ - ١٦].
والشحُّ من كسب النفس الأمارة بالسوء؛ ولذا نُسِبَ إليها كما قال ربنا: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [التغابن: ١٦].
٣ - الزكاة تربية للمؤمن على التراحم وَخُلُقِ شعور الجسد الواحد ومبدأ التكافل الاجتماعي:
إن روابط الأخوة الإيمانية والألفة والمحبة ثمرة من ثمار أداء الزكاة ودفعها لمستحقيها؛ لأن النفوس مجبولة على محبة ومودة من يحسن إليها، وبذلك التكافل الاجتماعي يعيش المسلم في مجتمع أخوي يسوده الحب والود والوئام.
و بذلك تشيع روح المحبة والترابط بين أفراد المجتمع وتذوب الفوارق الاجتماعية، ويصبح أفراد المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وهذه الأخلاق الحميدة من مقاصد الشريعة في الزكاة.
١ الطبري (١٤/ ٤٥٤).
٢ ابن سعدي (٣/ ٢٣٩).
294 · ص294
٤ - تطهير المجتمع من الآفات الاجتماعية الحسية والمعنوية:
ولا شك أن أداء الزكاة لمستحقيها فيه وأد وحسم لمادة الحقد والحسد والكراهية والضغينة والبغضاء، واقتلاع جذور تلك الأمراض من النفوس وإبعاد لها، وفي أدائها أيضًا الحد من الجريمة ومن أسباب التعدي على أموال الأغنياء بالسرقة، والنهب وغير ذلك، والحد أيضًا من سفك الدماء وجريمة القتل التي تنجم غالبًا عن السطو على أموال ذوي اليسار من الناس بسبب التطلع لما في أيديهم والطمع فيه.
ومما سبق يتبين العلاقة بين الزكاة وبين الأخلاق وتقويمها، ومع هذا فإنها عبادة وركن من أركان الإسلام يؤديها المسلم طواعية لله تعالى معتقدًا فرضيتها متعبدًا لله بوجوب أدائها لمستحقيها.
رابعًا: فريضة الحج وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:
العلاقة بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق في شعيرة الحج:
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، يقول الله تعالى:
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧]. ويقول سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧].
إن من أهم مقاصد الشريعة العظيمة في الحج، تربية النفس على الأخلاق العالية بكل معانيها وصورها، ففيه-الحج- معاني التربية على خلق إخلاص العمل لله تعالى وتجريده سبحانه بالقصد دون ما سواه من المخلوقين، وكذلك خلق التجرد في الاتباع وتجنب الابتداع في الدين، وتجريد النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا المقصد العظيم، وفيه معاني التربية على خلق التقوى والمراقبة له سبحانه وحده لا شريك له، وفيه معاني التربية على مكارم الأخلاق وجميل الصفات مع الناس، وترويضها على محاسن الطباع، والترقي بها في مدارج أهل التقى والصلاح، والحج فيه معاني