41 · ص41
ثم شرع بتفصيل منهجه في أصول التفسير مع ذكر الأدلة الشرعية واللغوية، وضرب الأمثلة العملية من القرآن الكريم والسنة وكلام العرب واللغة والشِّعر ١.
ولقد التزم الطبري أحسن طرق التفسير؛ من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسُّنة المبينة للقرآن والثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يُتبع ذلك بما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن التابعين.
وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب ٢.
منهجه في تناول التفسير بالأسلوب التحليلي
وتفسير الطبري ذو منهج خاص، يذكر فيه الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك رواياتٍ أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلِّها أو بعض أجزائها، بناءً على خلافٍ في القراءة، أو اختلافٍ في التأويل، ثم يعقب كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النهج عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجحًا؛ وهو إذ ينقد أو يرجح، يرد النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل فيها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرَّر بين العلماء من أصول العقائد،
١ محمد الزحيلي: الإمام الطبري: (ص: ١٢٠).
٢ التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور: (١/ ٣٢ - ٣٣).
42 · ص42
أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره ١.
ولذا ترى الطبري يضع قواعد وأصول للتفسير والتأويل، ويحذِّر من تناول التفسير بالرأي المجرد، ويورد من الأدلة الدالة على تحريمه، وهذا هو منهجه الذي سلكه في تفسيره، كما سيأتي ذكر كلامه هذا بطوله حين الكلام عن منهجه في التفسير.
وقد أثار المنهج الذي اعتمده الطبري في تفسيره خلافًا بين العلماء في تصنيفه بين المفسرين بالمأثور أم بالمعقول، وحاول بعضهم التدليل على أنّ تفسير الطبري إنّما هو في الحقيقة جمع بين الاثنين، وأنه لا تناقض بينهما ٢.
ثالثًا: زمن تأليفه
وكان الطبري يحدّث نفسه منذ صباه بكتابة هذا التفسير، وقد رُوي أنه كان يستخير الله تعالى قبل أن يشرع في كتابته بثلاثة أعوام ٣ ثم ظل يمليه مدة سبع سنين من عام (٢٨٣ هـ) وحتى عام (٢٩٠ هـ)، ثمَّ قُرئ عليه سنة (٣٠٦ هـ).
رابعًا: مقصده من تأليفه
ولقد أوضح الطبري أن مقصوده من تفسير القرآن الكريم هو تبيين الوجوه المحتملة للآيات ٤، واستقصاء هذه الوجوه فقال ٥: "إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها".
١ يُنظر: كلمة (الناشر) أ. محمد محمود الحلبي: الطبعة الثالثة، تفسير الطبري: (١/ ٤).
٢ الدريني فتحي: دراسات و بحوث في الفكر الإسلامي المعاصر ج ١ ص ١٤٥.
٣ ياقوت الحموي: معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) جـ ٦، صـ ٢٤٥٣،
٤ محمد بن جرير الطبري ومنهجه في تفسير القرآن الكريم وكتابة التاريخ، الدكتور عباس توفيق، صـ ٦٢
٥ تفسير الطبري، تفسير سورة الفاتحة، الآية: ٤