← المكتبة ▭ 1 page
مجلة البيان
مجموعة من المؤلفين الجوامع
A− A+
1907 · ص26 · ج236
غلو في التكفير د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف حكى أحد المتأخرين أن شخصاً ارتكب مظلمةً، فقال المظلوم: هذا ظلم وحاشا السلطان من الأمر والرضى به، فقال الظالم: أنا خادم الدولة المنتمية إلى السلطان؛ فقد نسبتَ الظلم إلى السلطان، فهوّنتَ ما عظَّمَتِ الشريعةُ من أمر السلطان فكفرتَ. فأخذوا «المظلومَ» وجاؤوا به إلى القاضي، وحكم عليه بالردة، ثم جدَّد إسلامه وفعل ما يترتب على ذلك (١) ! والحكاية السابقة لها نظائر في أزمان متلاحقة؛ وفي عصرنا هذا أوفر الحظ والنصيب من هذا الغلو؛ إذ غلب الجهل بدين الله تعالى، واندرس العلم الشرعي، واستحوذ القمع والاستبداد؛ فكان ذلك مناخاً ملائماً ومرتعاً خصباً لهذا التكفير الغالي. وهذا الصنف يكفِّر بلوازم متكلَّفة، قد لا تكون لوازم أصلاً، فضلاً أن يلتزم بها من ـقال هذا الملزوم أو فعله. وهناك أمر ثالث أن هؤلاء المولعين بالتكفير الغالي لا يلتفتون إلى ضوابط التكفير المتقررة عند أهل السنّة، ولا يعتدُّون بعوارض الأهلية من الجهل والخطأ والتأويل ونحوها. إن التكفير باللازم مطلقاً قد أورث في الأمة تناحراً وتقاتلاً، ورحم الله الإمام الذهبي إذ يقول: (ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفِّر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو يفرُّ من ذلك اللازم، وينزِّه ويعظم الربّ) (٢) . وقد سئل ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: هل لازم المذهب مذهب، أم لا؟ فكان من جوابه ما يلي: (الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذباً عليه، بل ذلك يدلّ على فساد قوله وتناقضه في المقال، ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه وصفاته حقيقة) (١) . وساق السخاوي مقالة شيخه الحافظ ابن حجر؛ إذ يقول: (والذي يظهر أن الذي يُحكَم عليه بالكفر مَنْ كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله، وعُرِض عليه فالتزمه.. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً) (٢) . والتكفير بهذه الإلزامات المتكلفة قد لا ينتهي إلى حدٍّ ولا يقف عند شخص؛ فليس له خطام ولا زمام، وقد لا ينجو من التكفير إلا صاحب داء التكفير بتلك الإلزامات، ويعظم خطره إذا اقترن به تنزيله على الواقع، وتطبيقه على عموم المسلمين؛ فهؤلاء إذا كفّروا نظاماً معيناً ألحقوا به عساكر النظام بدعوى مساندة الطاغوت، ثم أتبعوهم بأرباب الوظائف المدنية، وربما حشروا العامة مع العساكر والمدنيين، بدعوى الرضى بالطاغوت، والراضي كالفاعل! هذا أنموذج صارخ لمظهر من مظاهر الغلو في هذا الزمان، وإن كان المتعيَّن علينا أن ندافع الانحراف كله سواء كان غلواً أو إرجاءً، وأن نعالج هذه الأدواء بعلم وعدل، دون تهوين لداء، أو تهويل لآخر، وأن لا نستغرق في مدافعة الغلو في التكفير حتى نؤول إلى الإرجاء من حيث لا نشعر؛ فالبدعة لا تردّ بالبدعة، وإنما تردّ البدعة بالسنّة. وإذا كان القمع والظلم الواقعان من قِبَل حكومات تجاه أصحاب هذا النَّفَس الغالي لا يزيد الأمر إلا سوءاً، ولم يخلّف إلا مضاعفة في الغلو والإفراط، فكذا النظرة السطحية والمعالجة الشكلية والتهكم والتمسخر بأولئك القوم.. لم يعقبه إلا مزيد من التأثر والانتشار لهذا الفكر المنحرف، فلا بد من النقاش العلمي الرصين، والحوار العميق مع أصحاب هذا الفكر، ومناظرتهم مناظرة مناصحة لا مكايدة، كما فعل حبر هذه الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إذ ناظر الخوارج ورجع شطرُهم. ولما خرجت الخوارج سنة (١٠٠هـ) على عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بعث إليهم عمرُ مَنْ يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض؛ فلما فعلوا ذلك، بعث إليهم جيشاً فكسرهم الخوارجُ، ثم أرسل ابنَ عمه مسلمةَ بن عبد الملك إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج يقول له: ما أخرجك عليّ؟ فإن كنتَ خرجتَ غضباً لله فأنا أحق بذلك منك، ولستَ أوْلى بذلك مني، وهلمَّ أناظرك، فإن رأيتَ حقاً اتبعتَه، وإن أبديتَ حقاً نظرنا فيه.. (٣) . فتأمَّل ـ رعاك الله ـ مسلكَ العدل والإنصاف مع الخوارج، وسعي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى مناظرتهم برحمة وعلم، وسماع رأيهم، والجواب عنه. ومن المهم أن يُلتفَت إلى الجوانب النفسية في معالجة هذه النازلة؛ فالنفس البشرية فيها نوع من الكِبْر؛ فتحبّ أن تخرج من العبودية والاتِّباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ـ رحمه الله ـ: (ما ترك أحد شيئاً من السنّة إلا لكِبْرٍ في نفسه، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتِّباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) (٤) . فلا بد من تربية الناشئة في محاضن إيمانية قائمة على تزكية النفوس وفق السنّة النبوية، والعناية بتهذيب النفوس عن أهوائها وحظوظها، من خلال التعبّد المشروع ومحاسبة النفس ومراقبتها؛ فالمسلك الخارجي لا ينفك عن ازدراء غيرهم، وتقلّب آرائهم، مما يستدعي الاشتغال بالجوانب الإيمانية القلبية. فرأس الخوارج (ذو الخويصرة) طعن في قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعمران بن حطان تزوّج امرأة من الخوارج ليردّها عن مذهبها، فصرفته إلى مذهبها. كما أن البطش والاستبداد وحرمان الحقوق لا يُنبت إلا نفوساً متوترة، وعقولاً جانحة، مما يؤجج نيران هذه الفتنة. وإذا كان اضطراب آراء الخوارج وتعددها سبباً في إخفاقهم؛ فإن الظلم الواقع من بعض خلفاء بني أمية من عوامل قبول المذهب الخارجي، لا سيما في بلاد المغرب العربي (٥) . وإذا كان العدل مطلوباً مع الكفار؛ فما بالك بأهل الإسلام بمن فيهم الخوارج؟! وكما أن أهل السنّة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، أفلا يكون ذلك باعثاً على الإشفاق عليهم ودعوتهم إلى دين الله ـ تعالى ـ والسنّة بعلم وبصيرة؟! (*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض. (١) انظر: العلم الشامخ، للمقبلي، ص ٤١٣. (٢) الرد الوافر، لابن ناصر الدين الدمشقي، ص ٤٨. (١) مجموع الفتاوى: ٢٠/٢١٧. (٢) فتح المغيث: ٢/٣٣٤. (٣) انظر: البداية والنهاية: ٩/١٨٧. (٤) اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ٢/٦١٢. (٥) انظر: مقدمة كتاب الخوارج في بلاد المغرب، لمحمود إسماعيل.
1908 · ص26 · ج238
خدعة التشيع الصفوي ماجد محمد الحمد (التشيع الصفوي والتشيع العلوي) كتاب ألَّفه المفكر الإيراني الشيعي (علي شريعتي) ، قصد من خلاله تصحيح بعض جوانب الغلو في التشيع الحالي ـ الذي دعاه بالتشيع الصفوي ـ رأى أنها لا تمتُّ بصلة إلى التشيع الأصيل ـ في زعمه ـ والذي يسميه بالتشيع العلوي، حيث كرَّس التشيع الصفوي مبدأ الطقوس الوثنية والنصرانية والشرك والخنوع والكذب والتقليد الأعمى المقيت الذي تبنَّته الدولة الصفوية؛ لإحداث شرخ في تدين الناس؛ حتى لا يتأثروا بالدولة العثمانية المنافسة والمخالفة لها في المذهب، وتغذية العداء التاريخي بين الطائفتين السنية والشيعية والتمايز بينهما؛ من خلال المغالاة في التشيع لإحكام السيطرة على العامة، حيث استطاع الصفويون خلال مدة وجيزة تحويل بلاد فارس ذات الأغلبية السنية إلى المذهب الشيعي الغالي تحت تهديد السلاح والفتك بعشرات الآلاف من السنة؛ تحقيقاً لأطماع سياسة طائفية توسعية. ثم تلقف هذا التصنيف واشتهر على ألسنة الكُتّاب والنقاد مع تحويره إلى التشيع الصفوي، مريدين به: التشيع الخاضع للسيطرة الإيرانية ومرجعياتها الفارسية في قم، والعامل وفق أجندتها السياسية، والمؤمن بما يسمى (ولاية الفقيه) في طهران. أما التشيع العربي فأريد منه: التشيع الرافض للسيطرة الإيرانية، المعتز بعروبته، والذي يقلد مرجعيات عربية في النجف، والرافض لولاية الفقيه. ولا شك أن التشيع بشقّيه الصفوي والعربي واقع في حمأة الغلو والتطرف؛ فالتشيع قائم على ركيزتين أساسيتين: ـ الأولى: الغلو في آل البيت، ودعوتهم من دون الله في الرخاء والشدة، وصرف كثير من العبادات إليهم؛ نسأل الله العافية. ـ والثانية: الطعن في الأصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ بخاصة الشيخين ـ رضي الله عنهما ـ، وكذلك الطعن في أمهات المؤمنين زوجات المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وخصوصاً عائشة وحفصة رضوان الله عليهما؛ بكلام يعف عنه الإنسان السوي فضلاً عمن يدعي النسبة إلى الإسلام. وللأسف؛ فإن التشيع أصبح قابلاً للانحدار نحو الأسوأ، فكلما ازداد أحدهم غلواً ازدادت شعبيته والاحتفاء به، فنتج عن ذلك أن ما يُعدّ من أقوال الغلاة سابقاً أصبح في وقتنا الحالي من ضروريات المذهب الشيعي؛ كما يقول أحد أئمتهم. فالغلو في التشيع سابق لقيام الدولة الصفوية بمئات السنين، فنظرة إلى كتاب (الكافي) للكليني كافية لمعرفة ما وصل إليه الغلو الفاحش في كتابٍ من أشهر كتبهم المتقدمة، لذا من الخطأ الاعتقاد بأن التشيع كان معتدلاً حتى جاء الصفويون فغلوا فيه، فالغلو بدأ مع بداية التشيع حيث حرّق علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أوائلهم في زمنه. وليس ثمّة شك أن التشيع الصفوي الإيراني الحالي جمع السوأتين معاً؛ سوأة التشيع الغالي وسوأة الشعوبية الحاقدة على العرب، حيث طالت هذه النزعة الشعوبية المقيتة الشيعةَ العرب؛ حتى من كان منهم في منطقة الأحواز العربية ذات الأغلبية الشيعية والذين يعاملون مواطنين من الدرجة الثانية؛ بل لا يُعترف باللغة العربية لغةِ القرآن ولغة أهل البيت لغةً للتعليم في مدارسهم. ولم يسلم من حقد هذه النزعة الشعوبية الشيعةُ العراقيون اللاجئون إليها، حيث التنكيل بهم، وعدم الاعتراف بمرجعياتهم، وحشرهم في معسكرات تشبه معسكرات الفلسطينيين سابقاً بعد أن امتصت دماء أبنائهم في حربها مع العراق حيث جندت الكثير منهم في فيلق بدر لمقاتلة بلدهم تحت مظلة التشيع، فإيران تستخدم التشيع وسيلة لتخوين الأقليات الشيعية ضد بلدانهم؛ لتحقيق مكاسب سياسية لها، لكنها تخذلهم إذا تعارضت مصالحها مع مصالحهم، وتتناسى حينئذ تشيعهم! لكن إذا كان التشيع الصفوي بهذه القتامة فليس يعني ذلك أن التشيع العربي بريء من هذا التطرف والغلو العقدي وإن اختلف سياسياً مع إيران، إذ إن من الخداع الذي يمارسه بعض الكُتّاب ـ للتسويق لبعض الأحزاب الشيعية العربية ـ الزعمَ أن التشيع العربي تشيّع متسامح خالٍ من الغلو وقابل للتقريب؛ لكون الخلاف معه ـ حسب زعمهم ـ محصور في جزئيات قليلة؛ لأنه رافض للهيمنة الإيرانية. فكأنما الخلاف مع الشيعة خلاف سياسي فحسب، فمتى ما رأينا منهم تبايناً سياسياً مع إيران تناسينا خلافنا العقدي الذي هو أسُّ المشكلة وسبب التنافر والتكفير. ونظرة إلى واقع العراق يدرك من خلالها العاقل خطورة مثل هذا التصنيف حين يؤمن به بعض أهل السنة، فكثيراً ما تقرأ أن حزب المجلس الأعلى الشيعي بقيادة (الحكيم) وجناحه العسكري (فيلق بدر) ـ وهو حزب صفوي ـ يعمل وفق مصالح إيران، بينما التيار الصدري فهو على الخلاف منه يحركه التشيع العربي، الرافض للهيمنة الفارسية على بلاد العراق؛ لذا ينبغي التماهي مع مشروعه والعمل على تشجيعه والثناء عليه وإشراكه في تجمعات أهل السنة ومؤتمراتهم، ظناً أن عروبة هذا التيار ستنسيه الخلاف العقدي، حتى تفاجأ كثير من المتابعين للشأن العراقي من أهل السنة ـ ممن ليس للتحليل العقدي عنده كبير شأن ـ من وحشية هذا التيار وخصوصاً جناحه العسكري المسمى (جيش المهدي) حيث أعاد لذكراهم وحشية الصرب مع مسلمي البوسنة، حيث التفنن في التعذيب بصورة مقززة، وسحق العلماء وأئمة المساجد، والقيام بمجازر يذهب ضحيتها النساء والأطفال كما وقع في حي الجهاد، وتعظم المصيبة حين يكون القائم بمثل هذه الجرائم ممن ينتمي إلى القبيلة نفسها والمجرم جار للضحية وممن تربطه بها روابط النسب والقرابة، عند ذلك تدرك أن خداع تغييب التحليل العقدي في التعامل مع الفرق والجماعات أعظم مصيبة من خداع الانكفاء على التحليل العقدي وحده! وإنك لتعجب من اختلاف الشيعة في العراق؛ فمن شيعة عَلْمانية إلى شيعة حركية إسلامية إلى شيعة صفوية أو عربية، ولكن عند عداء أهل السنة لا تلحظ هذا الافتراق، بل تجد تنافساً في إبادة أهل السنة، فاختلافهم اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد كما يتوهمه البعض، بل هو ـ فيما أحسب ـ شبيه باختلاف اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الاشكنازيم) داخل فلسطين مع اتحادهم حيال المسلمين، بل إن عداء اليهود العرب أعظم وأشد من عداوة اليهود الغربيين! فمن لم يعتبر من التاريخ، ولم تزل شلالات الدم في العراق غشاوة عينيه فيعرف عدوه من صديقه؛ فهو لن يتّعظ إلا بنفسه ساعةَ لا ينفعه ذلك. ولا أحسب أن هناك حاجة إلى التذكير أنه لا مشاحة في استخدام هذا التصنيف ما دام في دائرة أن بعض الشر أهون من بعض، أو في دائرة توصيف فرق الشيعة وخلافاتهم الداخلية، أو استثمار هذا الخلاف بما يعود نفعه على المسلمين، ولكن ما نرفضه هو تسويق أن الخلاف السني الشيعي إنما هو خلاف سياسي لا عقدي، وحصره في التشيع الصفوي وحده، وخداع السنة ومخاتلتهم بأن التشيع العربي هو تشيع معتدل قريب لأهل السنة حتى يلدغوا من جحره مرات ومرات!
→ prev 1907–1908 / 5988 next ←