261 · ص4 · ج10
الافتتاحية
هل المسلمون بحاجة إلى منهج نقدي؟
من عادتنا، عندما نريد أن نتحدث عن مقومات النهوض وأسباب الفشل؛ أن
نلقي باللوم الأكبر على الأسباب الخارجية، كأن نلوم الاستعمار وأعداء الإسلام،
هذا في الغالب، وأحيانًا نحب أن نكون أكثر إنصافًا فنقول: إن هناك أسبابًا داخلية
في المسلمين أنفسهم. ولكن هذه الأسباب تظل في دائرة الكلام العام غير المحدد،
وغير المحلل، والجمل الوعظية التي تستهلك كثيرًا من جهود الدعاة، ويظنون
بعدها أنهم قد قاموا بالواجب، وأزاحوا عبء المسؤولية عن كواهلهم، وكثيرًا ما
يستنيمون لعبارات الإطراء والمديح التي تكال لهم ممن يسمعونهم من عامة الناس،
ويجدون متعة داخلية لا حدود لها وهم يحاطون بمثل هذه الكلمات: ما شاء الله..
سبحان الله.. الله يفتح عليك.. الخ.
وبهذا يتضح أن ما يسمى بـ (النقد الذاتي) القائم على منهج محدد غير متأثر
بالأهواء والعواطف لا زال أمرًا بعيد المنال عند المسلمين، ولازالوا لا يملكون
الجرأة على إحلاله المكانة اللائقة في حياتهم، ولا زالت الطبقة التي تقع عليها
مسؤولية حمل الدعوة - وهي طبقة المثقفين وقادة الفكر - تشمئز من النقد،
وتعتبره عملاً تخريبيًا هدامًا مثبطًا، وتضفي عليه شتى الأوصاف المنفرة، ولا
تنسى أن تسند حيثيات التهرب من النقد بما يصح وما لا يصح من الأدلة الشرعية.
هذه مقدمة لابد منها عند التعرض لبعض أمراضنا التي نعانيها، والتي تعيقنا
ليس عن البناء فقط؛ بل عن التقدم ولو قليلاً في أحيان كثيرة.
وإن من أهم الأمراض التي نتوارثها، وتكاد تكون قد أصبحت ظاهرة
تتحكم بنا، ما نلاحظه عندما تطرح بعض الأسماء المشهورة ومواقفنا منها، فإن
هذه المواقف تكون في الأغلب مطبوعة بطابع المغالاة: حبًا أو بغضًا، اتباعًا أو
نبذًا.
ومن أجل تفصيل هذه المسألة نقول:
إن داء التفرق قد ضرب المسلمين، وسمومه قد مشت في أوصالهم. ومع أن
هذا الداء من أكثر الأدواء التي حذرنا منها ديننا الحنيف قرآناً وسنة، إلا أننا
ماضون فيه، غير ملتفتين إلى العواقب.
ومن أهم الأسباب التي تذكي هذا التفرق، وتؤدي إلى ضياع الجهود؛ الأفكار
المسبقة التي تكون نتيجة للنظرة المتسرعة إلى الآراء والشخصيات. قلِّبْ أفكار
كثير من الجماعات - كل جماعة على حدة -في الأشخاص، فإنك تجد نظرة أحادية
الجانب، قد تكون صدى لآراء شخص مشهور فيها، وهذه الآراء المرتجلة آتية إما
عن عدم تعمق في الدراسة، أو بنظرة شخصية؛ أو بقصور في التحليل؛ أو قيلت
في ظروف معينة اقتضتها.
فمثلاً إذا أحب قوم شخصًا رفعوه إلى درجة التقديس، ولم يعودوا يقبلون فيه
نقدًا، أو يرون فيه أي مجال لأي مأخذ، وحتى إذا كانت له أخطاؤه التي يصعب
الدفاع عنها؛ ترى أنصاره ومحبيه يلوون الحجج، ويلفقون الأدلة، ويعتسفون في
الدفاع، ويجهدون أنفسهم فيما لا طائل تحته، وكان الأجدى عليهم، والأرحم
بالرجل أن يقال: إنه أخطأ في هذا، وتنتهي القضية.
والاعتراف بالخطأ من قبل الشخص أو مريديه لا ينزل من مكانة، ولا
يجحد الفضيلة، ولا يخرج من جنة، أو يدخل في نار، ولكنه التعصب المذموم،
والبعد عن الوسطية.
وقل مثل ذلك في حالة ما إذا كرهوا شخصًا لسبب من الأسباب، فإن الهوى
المتحكم يهوي به وبسمعته إلى الحضيض، ولا تعود نفوس القوم تتقبل ما يمكن أن
يقوله من حق في ذاته، ويصعب عليها أن تستمرئ إنصافه، وينقلب التمحل في
الأدلة لبراءة المحبوب إلى تمحل في اصطياد العثرات للمُبَغَّض، وتًجًنَّ في تلفيق
التهم والإشاعات ضده، حتى يصبح كالمنبوذ الذي إن عاش غير مؤذٍ للمجتمع
بأفكاره التي تجيء نتيجة إحساسه بالنبذ؛ فإنه يعيش عضوًا أشلَّ غير منتج في
المجتمع.
وهكذا، ونتيجة لهذا الاتجاه السائد في تقويمِ الناس والآراء، يفقد المجتمع
التوازن، ويغدو من الصعب أن تجد لك مكانًا في مجتمعات مشطورة إلى شطرين:
أنبياء وشياطين!
وفي مجال الثقافة يتوقف التجديد، وتتجمد الآراء عند نقاط معينة، حيث لا
تبقى حاجة إلى دراسة أو مراجعة، فقد كفى الزعماء والقادة الناس مؤونة التفكير
بإشاراتهم الملهمة! وتوجيهاتهم المعصومة حيال الوقائع والأحداث، مع أن هذه
الإشارات والتوجيهات تلقي بظلالها التربوية السلبية، وتعطي مردودًا سيئًا في
الواقع الإسلامي، وترسخ جذور عبادة الأشخاص، وقتل الطموح من جهة، وغمط
الناس أشياءهم من جهة أخرى.
وإذا أردنا أن نتقدم خطوة في رصد هذه الظاهرة، فإن العجب يتملكنا عندما
نرى أن من المسلمين من ينتحل المعاذير، ويقيل العثرات لغير المسلم، فيأخذ عنه
في بعض جوانب التفكير والاجتهاد - بحجة الانفتاح واتساع الأفق «والحكمة ضالة
المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها» -! مع أنه يختلف عنه في الأصول؛ ويشيح
بنظره، وينأى بنفسه بتاتًا عن أخيه المسلم، وينصب له العداوة، من أجل خلاف
فرعي أو شخصي!
إن ما يميز المسلم الحق عن غيره أنه يدور مع الحق حيث دار، ومن أي
جهة صدر، وإن النظرة النقدية للذات، ومراجعة الأخطاء وتصحيحها هي من
الأساسيات المهمة التي أمر الله عباده بها، وعلمهم إياها حيث يقول، عز من قائل: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] .
وإن حياة الصحابة الكرام كانت تطبيقًا عمليًا لهذا المبدأ: نقد للذات،
واعتراف بالخطأ، وإنصاف للخصوم، وبعد عن التعصب. وإننا لنعثر في ... سيرتهم على أمثلة رائعة لا يمكننا أن نقع على ما هو أسمى منها في تاريخ ... البشرية [١] .
ولكن مما يؤسف له أن المسلمين انشغلوا في تفضيل من يعرفون على من لا
يعرفون، واتبعوا الظنون التي لا تغني من الحق شيئًا، وداروا - ومازالوا - في
حلقة مفرغة، يضخمون أخطاء إخوانهم في الدين، ويتجاهلون محاسنهم، في حين
يضيعون الأوقات ويشغلون المسلمين في المدح العريض لبعض من يتعصبون لهم،
مع أن هذا لا يفيدهم ولا يفيد من يمدحون، ومع أن المسلم مطلوب منه أن لا يغلو
في مدح أو ذم، وأن لا يحيد عن القصد في أمره كله. فقد صح عن النبي - ... صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم
التراب» [٢] .
وقال لمن غالى أمامه بالمدح: «ويحك قطعت عنق صاحبك» [٣] .
وما أحكم كلمة الإمام ابن تيمية في هذا المجال حيث أجاب على سؤال حول
قضية تفضيل بعض المشايخ على بعض فقال:
(أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض؛ مثل من يرجح إمامه الذي
تفقه على مذهبه؛ أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره ... فهذا باب أكثر
الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس، فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة
والمشايخ، ولا يقصدون اتباع الحق المطلق، بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح
متبوعه، فيرجحه بظن يظنه، وإن لم يكن معه برهان على ذلك. وقد يفضي ذلك
إلى تحاجهم وقتالهم وتفرقهم، وهذا مما حرم الله ورسوله ... )
ثم قال: (فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف والتكلم بغير علم؛ فإنه يجب النهي عنه، فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله، وأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده كما تنازع المسلمون: أيما أفضل:
الترجيع في الأذان، أو تركه؟
أو إفراد الإقامة، أو إثنائها؟
وصلاة الفجر بغلس، أو الإسفار بها؟
والقنوت في الفجر، أو تركه؟
والجهر بالتسمية، أو المخافتة بها، أو ترك قراءتها؟ ونحو ذلك. فهذه
مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده،
من كان فيها أصاب الحق فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطؤه
مغفور له ... الفتاوى [٢٠/٢٩١-٢٩٢] .
إن حال المسلمين اليوم أشد ما تكون حاجة إلى الرجوع إلى منهج علمي محدد
للنقد والمراجعة يستطيع أن يستنقذ الصالح من كل شيء ويضيفه إلى مثله،
ويستبعد الخطأ ويسقطه من حسابه، ونعني بالعلمية والتحديد أن يكون هذا المنهج
غير متأثر بالأهواء والنزوات، قائمًا على أدلة ثابتة، بعيدًا عن ادعاء العصمة
لأحد بعد الأنبياء، قادرًا على بيان مكامن الضعف والتقصير، راسمًا الطريق
للخروج منها، يتجنب طريق التحريض والصراخ والعويل والبكاء على الأطلال
التي يمارسها كثير من الدعاة عن حسن نية.
بذلك يمكننا - بإذن الله - أن نجد لنا مكانًا في أرض الله التي يورثها عباده
الصالحين، وبما عداه فإن النتيجة ليست إلا أصفارا مطروحة من أصفار.
- التحرير -
قال الذهبي في ميزان الاعتدال:
(.. فإن ذكرت أحدًا منهم من (الأئمة المتبوعين) فاذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله، ولا عند الناس، إذ إنما يضر الإنسان الكذب والإصرار على كثرة الخطأ والتحري على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجناية، فالمرء المسلم يطبع على كل شيء إلا الخيانة والكذب) .
(١) كمثال على الاعتراف بالخطأ وعدم تلمس الأعذار راجع قصة المخلفين الثلاثة، ورواية كعب بن مالك لها في تفسير ابن كثير: سورة التوبة وكمثال على عدم التأثر بالهوى الشخصي والإنصاف
راجع قصة عمر بن الخطاب مع أبي مريم السلولي قاتل أخيه زيد بن الخطاب في حروب الردة.
(٢) صحيح مسلم، ٨/٢٢٨.
(٣) صحيح مسلم، ٨/٢٢٧.
262 · ص4 · ج11
الافتتاحية
[كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله]
إن سيطرة اليهود على فلسطين، وما أصاب أهلها وما حواليها من البلاد من
ذل وتشريد وقهر نتيجة ظلم اليهود وأنصار اليهود.. كل ذلك هو محنة وابتلاء
للمسلمين، يبتلي الله به عباده بسبب تقصيرهم في الدفاع عن حرماتهم. وفي
الابتلاء يسقط قوم، وينجح آخرون، أما الذين يسقطون فهم الذين يكونون عوناً
للعدو في نشر فكره ومشابهة أخلاقه، ويكونون عيناً له على أبناء جلدتهم يبيعونهم
لقاء عرض من الدنيا قليل، ويتاجرون بدماء شعوبهم من أجل التمكين لأنفسهم. أما
النكاية بالعدو فآخر ما يفكرون فيه. ومن هؤلاء الذين يؤمنون بسياسة الأمر الواقع، ويدركهم التعب من طول الطريق ومشقة السير، فيطرحون الحلول التي يرضى
عنها الأعداء كي يظهروا أناساً واقعيين غير متعصبين.
وأما الذين ينجحون فهم الذين يعتبرون المحنة فرصة لتمييز الخبيث من
الطيب من النفوس، ويصبرون على البلاء دون تذمر أو عجلة، ويرجعون إلى
عقيدتهم ودينهم الذي يتفق مع منطق التاريخ وقوانين الصراع، ويرون أن وجود
اليهود في فلسطين - ولو استظهروا بكل قوى الكفر، شرقية وغربية - مخالف
لمنطق التاريخ وسننه الجارية.
لقد أراد اليهود وأنصارهم أن يقطعوا صلة المسلمين في فلسطين بربهم،
ووضوا من الخطحط للقضاء على هذا الشعب وتشتيته الشيء الكثير.. لكن إرادة
هؤلاء ليست مطلقة، حتى ولو ملكواما شاءوا من المال والسلاح؛ لأن الله وإن أمد
للظالم، فهو - سبحانه وتعالى - لا يتركه يتمادى بظلمه وجبروته إلى الأبد، ولأن
الباطل مهما علا وعربد وانتفش فإن الحق غالبه لا محالة.
لقد كانت - وما زالت - محنة رهيبة أن يصول اليهود ويجولوا في الأرض
التي بارك الله فيها، محنة لا لمن يستوطن هذه البقاع فقط، بل لكل مسلم على وجه
الأرض.
وكان هناك بدهية مستقرة عند أغلب المسلمين، وهي أن سيطرة اليهود على
فلسطين بمساعدة الغرب الصليبي ليست إلا مرحلة من مراحل الصراع الطويل بين
الإسلام من جهة، وبين الصليبية الغربية من جهة أخرى. وهذه السيطرة تحقق
عدة مكاسب، فهي تساعد على بناء قاعدة متقدمة للمستعمرين الأوربيين، وتكون
عامل إضعاف مستمر للقوى العربية الإسلامية بأيد غير صليبية، وإن كانت أمينة
على تطبيق القيم والمفاهيم الغربية. ولا غرابة في ذلك؛ فاليهودية والصليبية
تشتركان في عمق فكري واحد.
وكان في تغييب الإسلام عن التأثير في مجرى الأحداث - منذ أن اكتسح
الغرب الصليبي البلاد الإسلامية، وخصوصاً منها التي كانت واقعة ضمن الدولة
العثمانية - جناية كبرى على هذه البلاد وعلى شعوبها التي أريد أن تزدهر بينها كل
الدعوات ما عدا الإسلام، ونتنفس في أجوائها كافة البدع، واستثني الإسلام بكل
صلف وخسة، وطوردت كل دعوة صادقة للحفاظ عليه عقيدة للأمة، ووسيلة عملية
وهدفاً، لا مجرد تراث للتغني والمزايدة.
في مثل هذا الجو أصبح أعداء الإسلام وتلامذتهم الجهلة يرددون مقولات
كثيرة ليست إلا خيانة وتواطؤاً تلبس لباس التعالم والاستهزاء بعقول الناس مثل:
التفريق بين اليهودية والصهيونية.
القومية العربية طريق تحرير فلسطين.
الدولة العلمانية هي مطلب الفلسطينيين.
بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد هو سبيل تحرير فلسطين.
نضال الطبقة العاملة هو سبيل التحرير.
إلى غير ذلك من الشعارات التي لا تكاد تحصى، والتي تتشعب في متاهات
لا تنتهي، ولا يجمعها إلا شيء واحد فقط هو الكيد للإسلام وأهله في هذه البلاد.
وفي ظل هذه الدعوات والشعارات وصل العرب إلى مستوى لا يحسدون
عليه، فتبددت طاقاتهم، وتفرقت كلمتهم وزالت هيبتهم.
ففي الوقت الذي سودت فيه آلاف الصحائف في الدعوة إلى الوحدة على
مستوى العالم العربي؛ كان داء الإقليمية يستشري ويمد جذوره عبر هذا العالم الذي
تعصف به الأهواء، وتتوزعه القوى الكبرى بعيداً عن رغبات شعوبه.
لكن على الرغم من كل هذا فإن هناك حقيقة تستعصي على التجاهل وهي أن
المحرك المركزي لهذه الشعوب هو الإسلام، وأنه العقيدة التي لا يورث القفز عنها
ومحاولة تجاوزها إلا الذل والضياع.
فقد غبر العرب زمناً يولون وجوههم قبل المشرق والمغرب، ولم يحصدوا
ممن استنصروا بهم إلا الخيبة والشماتة والبوار.
تشبثوا ببريطانيا فخذلتهم، وها هم يتمرغون على أعتاب وريثتها أمريكا،
والنتيجة ماثلة للعيان: ضياع للمقدرات، واستنزاف للطاقات، وصورة قاتمة عن
الإسلام وعن العرب ترسمها الصحافة اليهودية والصليبية المسيطرة في أوربا
وأمريكا.
ومنذ أواسط الخمسينيات اتجه العرب نحو روسيا الشيوعية، وحدثتهم أنفسهم
المضلَّلة بأن روسيا هذه ستنصفهم من الظلم الواقع عليهم من قِبل الغرب، بل إن
منهم من منَّى نفسه أن يهب الروس ليقاتلوا معه ذوداً عن حياض العرب بقنابلهم
النووية والهيدروجينية! مع أن هؤلاء الروس البلاشفة يعلمون حق العلم أن العرب
بوضعهم الحالي الضعيف - بعيداً عن عقيدة واضحة يتمسكون بها، وينافحون عنها
بصدق - لا يساوون أكثر من أجزاء لصفقة يحققون من ورائها نفوذاً على موائد
المساومات مع القوى الغربية.
لقد أدرك الناس ذلك بكل وضوح، وليس غريبًا أن يعبر أهل فلسطين عن
هذا الإدراك تعبيراً عملياً سمع به العالم كله. فقد وقع هذا الشعب ضحية القوى
الصليبية العالمية التي ظاهرت الصهيونية على سلبه حقوقه وتشريد أكثريته ... في الآفاق، ووقع مرة أخرى ضحية انخداعه بالوعود المعسولة، وكان يتغدى على الخطب، ويتعشى بالشعارات، وينام على حلم يداعب أجفانه بـ (صلاح
دين) آخر يأتي من الشرق، وبـ (قطز) جديد يأتي من الجنوب أو الغرب.
ولم يدر أن الذين وضع أمله فيهم لتحقيق هذا الحلم ليسوا من هذا الأمر في ... كثير ولا قليل.
فالأمر على زمان صلاح الدين وقطز كان أسهل! ولم تكن هناك حدود، وقانون
دولي، وهيئة أمم، ومجلس أمن ... ! عجباً! كيف ظن الفلسطينيون أن هناك من
يمكنه أن يتحدى ما يسمى (بالشرعية الدولية) ؟ ! .
لقد أدرك أهل فلسطين ذلك جيداً، فرأوا أن يبادروا الأمر بأنفسهم - وحسناً
فعلوا - فتركوا أمر الحسابات لأصحاب الحسابات، وحملوا عقيدتهم الإسلامية
يستلهمونها الثبات، وأعرضوا عمن سرقوا صبرهم داخل الحدود وخارجها من
شيوعيين وعلمانيين، وقرروا أن ينطلقوا من المسجد وأن يلجئوا إليه.
وهكذا تبدو لهذا الشعب عدة حقائق جديرة بالتوقف عندها:
فقد أدركوا أن المحرك الفعلي للجهاد والكفاح هو الإسلام، وأن الشيوعيين
الكذبة هم حلفاء اليهود، وقفوا معهم منذ البداية، ويرون في إسرائيل دولة وجدت
لتبقى.
وأن دعاة القومية العلمانيين هم صنائع للإنكليز، يكاد يقتلهم اللهاث وراء
الحلول الاستسلامية التي يعدهم بها أولياؤهم من الصليبيين.
وعلى الرغم مما يظهر من شعور بالهلع لدى من نصبوا أنفسهم متكلمين باسم
هذا الشعب؛ لأنهم وجدوا كل متاجرتهم السابقة لم تفد شيئاً، فتحركوا بنشاط
إعلامي واسع لاحتواء دوافع الانتفاضة، ومن ثم التأثير على توجيهها الوجهة التي
يريدون؛ فإن مما يبشر بالخير إدراك الشباب الفلسطيني المسلم إفلاس دعاة
العلمانية الذين فاجأتهم أحداث الضفة الغربية وغزة، فسارعوا وسط الحيرة يتدبرون
أمرهم ليطوقوا هذا الواقع الجديد.
ولكن.. هل يستمر حبل الأكاذيب إلى ما لا نهاية؟ !
يأبى الله ذلك ... ويأبى المؤمنون الذين يستمدون منه - وحده - العون والتسديد.