119 · ص119
أمعاءه وشدَّت عظامه، ولها عليه حقٌّ بإرضاعه من لبنها؛ حيث صار جزء من بدنها فيه، وتقدم قريبًا من المرفوعات المتفق عليها: "الرضاعة من المجاعة"، والمقصود من هذا الحديث: أنه لا يحرم من حليب المرضع إلا ما كان يسد جوعة الرضيع من دون أن يجتمع معه غيره من الطعام. ١
قال ابن باز ت ١٤٢٠ هـ: كل امرأة ثاب لها لبن، فأرضعت به طفلًا خمس رضعات في الحولين؛ فإنه يحرِّم؛ سواء كان اللبن من امرأة حامل، أو ثيب، أو بكر متزوجة أو غير متزوجة، أو كبيرة السن؛ فإنه محرم، وكلام الفقهاء أن اللبن المحرم هو ما ثاب عن حمل لا دليل عليه؛ لأن الحديث عَمم، ولم يخصص ا. هـ ٢
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية:
١ - إذا أراد زوج البكر التي أرضعت في بكارتها أن يتزوج ممن أرضعتها فلا مانع؛ إذا طلقها قبل الدخول؛ لأن الحرمة لا تتعدى إلى زوجها. أما لو طلقها بعد الدخول؛ فليس له التزوج بالرضيعة؛ لأنها صارت من الربائب التي دخل بأمها ٣، وهذا عند من يرى في لبن البكر ما يحرم، ومن لم فيه شيئًا لم يكن له مدخل في القول بالمنع.
٢ - إذا نزل للبكر ماء أصفر؛ لم يحرِّم، حتى تجري عليه أوصاف اللبن، فيحكم بها ٤، وهذا مبني على قول من يقول بتحريم لبن البكر - وهو الراجح -، وأما من لم ير فيه ما يحرم مطلقًا، فلا ترد عليه هذه المسألة.
٣ - لو أن بكرًا نزل لها لبن، فحلب - وهي لم تمسس بنكاح ولا غيره، ولم يعلم لها حمل -، فأُرضع به مولود خمس رضعات؛ كان ابنها - على المترجح -، ولا أب له ٥؛ خلافًا للقول المرجوح الذي قال فيه أصحابه بعدم تحريم لبن البكر مطلقًا، وهم نفر من الشافعية والحنابلة ٦.
١ ينظر: الضابط الثامن من المبحث الثالث في تمهيد هذا البحث.
٢ عبد الله بن عثمان آل نجران التويجري: فتاوى وتقريرات علمية من دروس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (ص ٤٦١).
٣ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١).
٤ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١).
٥ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٥).
٦ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٢٤). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٢٣). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٢).
120 · ص120
٤ - إذا نزل لثيِّب - لم يعلم لها حمل - لبنٌ، فحلب، فخرج لبن فأرضعت به مولودًا خمس رضعات؛ كان ابنها - على ما ترجح -، ولا أب له. ١
٥ - إذا تعاطت حائلٌ عقارًا مدرًّا للحليب، فعاد ثوبان الحليب إليها، أو تضاعف، أو نشأ؛ فأرضعت به صبيًّا، أو تبرعت به لبنك؛ انتشرت به الحرمة؛ على ما ترجح من قول الجمهور.
- سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي:
١ - القياسالخفي؛ هل يقاس لبن البكر الثائب بلا حمل أو وطء على اللبن الثائب عن حمل؟ أو هو أقرب في معناه إلى لبن البهيمة واللبن الثائب من رجل فيقاس عليهما؟
من قال بالأول - وهم الجمهور - أثبتوا التحريم بلبن البكر، ومن رأى القياس الثاني - وهم نفر من الشافعية والحنابلة -؛ لم ير في لبن البكر ما يحرِّم.
المسألة الثانية: رضاع البكر إذا تزوجت.
صورة المسألة: بكر نزل لها لبنٌ، فنكحت ولها لبن؛ فهل يكون الزوج أبًا للرضيع إلى جانب أمومة المرضعة؟ اختلف في ذلك الفقهاء على ما يأتي:
القول الأول: هو هنا للمرأة وحدها ولا أب للرضيع.
وبه قال الحنفية بقيد عدم الدخول ٢، وبعض الشافعية؛ إلا أن تحمل من زوجها ولا يكون للرضيع أب حتى ينفصل المولود ٣.
القول الثاني: يكون الزوج أبًا إزاء كون المرضع أمًّا.
وبه قال المالكية ٤، وهو ظاهر مذهب الشافعي ٥، وقول للشافعية ٦، واختاره ابن باز ٧.
١ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٥).
٢ ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١، ٤١٦).
٣ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ١٩).
٤ ينظر: القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٨٠).
٥ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٧).
٦ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ١٩).
٧ ينظر: محمد الشويعر: المصدر السابق، (٢٣/ ٢٣٢).