← المكتبة ▭ 1 page
النوازل في الرضاع
عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد مسائل فقهية
A− A+
501 · ص501
٤ - إذا أرضعت المصابة بالإيدز ولدها دون تحرز ولا سؤال؛ فإن جنايتها تعد جناية خطأ تترتب عليها أحكامها، وعلى فرض إيذاء ابنها؛ فإن ذلك يعد جناية شبه عمد؛ تأخذ أحكام الخطأ نفسها، وتزيد عليها بالإثم والدية المغلظة على العاقلة، وذلك؛ لأن الوسيلة هنا لا يحصل بها انتقال المرض غالبًا، وهذا هو قتل شبه العمد. ١ وفي تقديري أن هذا محل نظر؛ لأن مرض الإيدز يقتل غالبًا؛ كالآلة الحادة، والسم القاتل، وإذا أخطأ صاحب الآلة الحادة هدفَه، أو أصاب هدفه وانخرمت العادة الغالبة؛ فلا يعود ذلك بالحكم على الآلة أنها لا تقتل غالبًا. ٥ - إذا أرضعت المصابة بالإيدز غير ولدها، وكان إرضاعها بشكل مغرض، واستبان مرادها في إفشاء هذا المرض، وعرف عنها ذلك مع إخفائها لمرضها؛ فتأخذ أحكام الحرابة؛ متى انتقل المرض، وحصلت الوفاة بسببه. ٢ ب أن يكون المرضع والمرتضع مصابين. الابتلاء للأسرة قد يتكرر حينما تكون الأم مصابة ثم ترزق بطفل مصاب، أو يصابان بواسطة نقل الدم إليها لسبب أو لآخر. وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا مانع من الرضاعة حينئذ بينهما على وفق ما تقدم في تقرير الرأي الطبي في هذه الحالة، وذلك؛ لأن الذي يخشى منه - وهو الإصابة -؛ قد حلَّ بهما. ٣ ت أن تكون المرضع سليمة والمرتضع مصابًا. من الواضح في هذه الصورة أن سلامة المرضع ينعكس على سلامة لبنها، وما دام اللبن سليمًا وصحيًّا؛ فلا خوف على الطفل من الرضاع. ٤ لكن الخوف يتجه نحو المرضع؛ هل يمكن أن يشكل لها هذا الرضيع تهديدًا؛ إذا قلنا: يحتمل انتقال الفيروس؛ على نحو ما تقدم في التقرير الطبي. ولما تقدم؛ فالظاهر - والله تعالى أعلم - جواز إرضاع المصاب من سليمة؛ إذا راعت المرضع الاحتياطات اللازمة، وغلب على الظن عدم انتقال المرض إليها، وذلك لما يأتي: ٥ ١ - ما في الرضاع الطبعي من مصالح عظيمة اجتماعية ونفسية، وخصوصًا إذا كانت المرضع أمًّا، فإن الأمر الشرعي بالرضاع مناط بها. ٢ - الرضاعة حق للمرضعة والراضع, فلا يُفَوَّت الحق المؤكد من مصلحتهما البدنية والنفسية لمجرد احتمال ضئيل؛ لضرر يمكن الاحتراز من وقوعه. ٦ ٣ - عموم الأدلة المتقدمة في الفقرة أ. ويتبين مما تقدم الآتي: أولًا: إذا أصيب المريض بالإيدز، وكان ذلك بسبب جهل الطبيب، أو تعديه، أو تفريطه على أي وجه كان ذلك؛ كما لو قصر في تحليل الدم ومشتقاته، أو وجَّه بإرضاع الرضيع من المصابة بالإيدز؛ فإنه يكون مسؤولًا عما تسبب فيه، ويكون ضمانه بحسب تعديه أو تفريطه؛ فقد يكون متعمدًا في نقل المرض، ولا يخلو الحال حينئذ مما يأتي: أـ أن يكون متعمدًا؛ فيثبت في حقه القصاص. ب ــ أن ينقله لعدد أكثر على وجه الإفساد العام؛ فيقام عليه حد الحرابة. ج ــ أن ينقله خطأً؛ فتطبق عليه أحكام الخطأ، وتترتب عليه آثاره من الدية، ونحوها. ٧
١ المصدر السابق. ٢ المصدر السابق. ٣ ينظر: أ. د. الأشقر: الأحكام الشرعية المتعلقة بمرض الإيدز, ضمن كتاب دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة (١/ ٦٨). د. راشد الشهري: المصدر السابق، (٢/ ٥٥٧). ٤ ينظر: د. راشد الشهري: المصدر السابق، (٢/ ٥٥٨). ٥ ينظر: د. راشد الشهري: المصدر السابق، (٢/ ٥٦١ - ٥٦٥). ٦ ينظر: محمد أبو النيل: حكم الأجهاض والحضانة في ظل مرض الإيدز, ضمن ندوة رؤية إسلامية للمشكلات الاجتماعية لمرض الإيدز (٢٧٢). ٧ ينظر: د. راشد الشهري: أحكام مرض الإيدز في الفقه الإسلامي (٢/ ٨٤٥ - ٨٤٦). وقد تقدم تأصيل هذه المسألة في المبحث الثالث عشر من الفصل الأول.
502 · ص502
ثانيًا: إذا كان للوالدة لبن يضر بالمولود؛ كما لو كانت مصابة بالإيدز، أو مدخِّنة، أو تتعاطى المخدرات، أو الكحول، أو الأدوية التي تضر باللبن؛ فيُسترضع له غيرها. ثالثًا: لا يجوز للمصابة بالإيدز إرضاع الطفل السليم؛ إلا أن يخشى على الأخير الهلاك بترك الرضاع، فإن أرضعته عالمةً بمرضها لغير ضرورة أو مشورة طبيب متعمدةً الإضرار به عُدَّت جناية منها، وانتشرت الحرمة به ١. رابعًا: يجوز للمصابة بفيروس الإيدز إرضاع الرضيع المصاب بالفيروس نفسه إذا كان ذلك لا يزيد من نشاط الفيروس في جسد الرضيع. خامسًا: يجوز إرضاع المصاب بفيروس الإيدز من مرضع سليمة ولو اشترك مع الرضيع المصاب رضيع آخر سليم؛ إذا راعت المرضع الاحتياطات اللازمة، وغلب على الظن عدم انتقال المرض إليها أو إلى الرضيع السليم. المطلب الثاني أثر رضاع المصابة بالإيدز في انتشار المحرمية انعقد الإجماع على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ إذا لم يكن ثَمَّ ضرار، أو قصْد إيقاع التحريم. ٢ والضرار المستثنى عند بعض الفقهاء هو ما يمكن أن يعامل مريده بنقيض قصده، فيبطل حكم الرضاع معه؛ كما لو أراد التفريق بين رجل وزوجته الصغيرة بأن ترضع الصغيرة أم الزوج أو أخته، أما الضرر الذي لا يمكن أن يبطل معه الضرر المقصود؛ كانتقال المرض، فغير مراد هنا؛ كما لو أرضعت مصابةٌ بالإيدز رضيعًا بقصد إضراره، فانتقل المرض إليه. فإذا خرج حليب المصابة بالإيدز بأوصاف الحليب المعتادة وخصائصه؛ فهو ناشر للحرمة؛ حيث وجد المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو الغذاء.
١ ينظر في تأصيل هذه المسألة: المطلب الآتي. ٢ ينظر: الترمذي: الجامع الكبير (٢/ ٤٤٠). ابن المنذر: الإجماع (ص ٤١). ابن حزم: مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات (ص ١٢٠). ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ٣٥). القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧٠). ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٣٧٤). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٧٧). ابن قاسم: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (٣٤/ ٣١).
→ prev 501–502 / 601 next ←