553 · ص553
المبحث الثالث
الإشهاد على الرضاع
المطلب الأول
إشهاد المرضع على من أرضعته في الزمن المعاصر
للمرضع فيما يقرره فقهاء الإسلام أن تشهد على فعل نفسها فيمن أرضعته ١؛ سواء أكان القائل باعتبارها لا يكتفي بشهادتها وحدها أو يكتفي؛ حيث اختلفوا في ذلك على ما تقدم في التفصيل فيه عند بداية هذا الفصل.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - ما تقدم في حديث عقبة من أن الأمة السوداء قالت: قد أرضعتكما، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادتها. رواه البخاري ٢
٢ - إنه لا تهمة لها في ذلك؛ فلا يضر كون شهادتها على فعل نفسها، ما دام أنه ليس لها في ذلك ولا عليها شيء ترد به شهادتها؛ كأن تحصل به نفعًا مقصودًا، أو تدفع عنها به ضررًا؛ فقبلت شهادتها، كفعل غيرها. ٣
ونوقشت دلالة هذا الدليل بما يأتي: أ- إنها تستبيح الخلوة به، والسفر معه، وتصير محرمًا له. ٤
وأجيب عنه: بأن هذا ليس من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة؛ ألا ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانًا طلق زوجته، أو أعتق أمته؛ قبلت شهادتهما وإن حل لهما نكاحها بذلك؟ ٥
١ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤٢٠). الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٩٥). النووي: المصدر السابق، (٩/ ٣٦). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٧٤). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ١٠٤).
٢ تقدم تخريجه وبيان ألفاظه في الضابط العاشر من ضوابط المبحث الثالث في التمهيد. ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٤١).
٣ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤٢٠ - ٤٢١). الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٩٥). ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٤١). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٧٤).
٤ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٤١). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٧٤).
٥ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٤١ - ٣٤٢). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
554 · ص554
٣ - قياسًا على شهادة القاسم، والكيال، والوزان؛ على رب الدين حيث كان حاضرًا؛ بجامع عدم التهمة. ١
٤ - الإجماع؛ قال الشافعي ت ٢٠٤ هـ: لم أعلم أحدًا ممن ينسبه العامة إلى العلم مخالفًا في أن شهادة النساء تجوز فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا أن يروه لغير شهادة ا. هـ ٢، وبنحوه قال ابن قدامة ٣.
٥ - كالولادة، فإن الرضاعة مثلها؛ لا يحل لغير مَحرم، أو زوج؛ أن يعمد أن ينظر إلى ثديها، ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها؛ لأنه لو رأى صبيًّا يرضع وثديها مغطى؛ أمكن أن يكون يرضع من وطب عُمل كخلقة الثدي، وله طرف كطرف الثدي، ثم أدخل في كمها؛ فتجوز شهادة النساء في الرضاع كما تجوز شهادتهن في الولادة. ٤
وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن ما ينسب إلى أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه؛ من القول بأنه لا تقبل شهادة المرضعة؛ فهو متأول بما إذا كانت وحدها؛ احترازًا منهم عن قول غيرهم بقبولها منها لوحدها. ٥
الفرع الأول
حكم إشهاد المرضع على من أرضعته
إذا لم تكن ثمَّ بينة على الرضاع إلا شهادة المرضعة وحدها؛ فإنه وبناء على ما تقدم؛ يتلخص من كلام الفقهاء اتفاقهم على قبول شهادة الجنس الأنثوي ٦، غير أن الأكثر منهم
١ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤٢١).
٢ الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٩٤).
٣ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١٤/ ١٣٤).
٤ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٩٤). النووي: المصدر السابق، (٩/ ٣٦).
٥ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤٢١). النووي: المصدر السابق، (٩/ ٣٦).
٦ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٩٤). ابن قدامة: المصدر السابق، (١٤/ ١٣٤).