25 · ص27
المعنيين مخالفة ما، كأن يكون أحدهما أعمّ، ومنه قوله تعالى: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ}، فإنَّ الكواكب الأحد عشر أعمُّ من القمر، وكذلك قوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)} [الرّحمن] فإنَّ الفاكهة أعمُّ من النَّخل والرّمَّان، ومثله في القرآن كثير.
وهناك نوع ثالث يتكرَّر فيه اللَّفظ ويختلف المعنى، نحو قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ... (٢٣١)} [البقرة] إلى قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... (٢٣٢)} [البقرة] فهذا من باب تكرير اللَّفظ لا المعنى لاختلاف البلوغين في قوله {فَبَلَغْنَ} فالأوَّل بمعنى قاربن انقضاء عدَّتهنَّ، والثَّاني بمعنى انقضت عدَّتهنَّ.
واعلم أنَّ لكلِّ نوع من هذه الأنواع الثَّلاثة وجهاً من وجوه البلاغة، ولكن ليس هذا محلّ بيانه.
تنزيل غير العاقل منزلة العاقل
من ضروب البلاغة وفنون البراعة تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، ومن شواهده في القرآن، قوله: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)} فقد وصفت الكواكب والشَّمس بالسُّجود الَّذي هو من فِعْل العقلاء، وهذا يظهر لك علَّة جمع لفظ (السَّاجد) جمع المذكَّر السَّالم، وعلَّة أنّ ضمير الغائبين في قوله: {رَأَيْتُهُمْ} جرى على حدِّ من يعقل.
26 · ص28
يَعْقُوبُ ـ - عليه السلام - ـ يُعِبِّرُ رُؤيَا يُوسُفَ
{قَالَ} يعْقُوبُ ـ - عليه السلام - ـ لابنِهِ يُوسُفَ بِلِسَانِ التَّحَبُّبِ والشَّفَقَةِ والنُّصحِ والنَّهي والتَّحذيرِ: {يَابُنَيَّ} تصغير (ابن) للتَّحبُّب، وأضافه لنفسه للغرض نفسه {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} هذه {عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} فَيَحْتَالوا لإهلاكِكَ حِيلَة؛ حسَداً لعِلْمِهِم بتأويلها من أنَّهُم الكواكب وأبواك الشَّمس والقمر.
ويبدو أنَّه ـ - عليه السلام - ـ كان يَعْرِف قُدْرَة أبنائِهِ على تأويل مثل هذه الرؤيا، ويظهر أيضاً أنَّه كان يَعْلَمُ كَراهَتهم لِيُوسُفَ وبُغْضَهُم لِعِشْرَتِهِ. وأظُنُّهُ ـ - عليه السلام - ـ قَالَ هذا الكلام لِيُوسُفَ والفَمُ يَسِيلَ مَرَارَةً وأسىً؛ فالواجِبُ ألَّا يَكُونَ بَيْنَ الإخوةِ أدنى شَحْناء ولا أقلَّ بَغْضاء، ولكن هكذا كان؛ لأمْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ تعالى.
وكان يَعْقُوبُ ـ - عليه السلام - ـ يَعْلَمُ أنَّ نُصْحَهُ وتَحْذِيرَهُ ليُوسُفَ لا يُثِيرُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لإخوتِهِ؛ لأنَّهُ وَاثِقٌ من صَفَاءِ سَرِيرتِهِ ونَقَاءِ قَلْبِهِ وَرُجْحَانِ عَقْلِهِ ونفاذِ بَصِيرتِهِ، ولذلِكَ عَقَّبَ كلامَهُ بِقَولِهِ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)} ظَاهِر العَدَاوة كما فَعَلَ بآدَمَ - عليه السلام - وحوَّاء؛ ليَعْلَمَ يُوسُفُ أنَّهُ ما حَذَّرَه مِن إخْوَتِهِ، وإنَّما حَذَّرَهُ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوسِهِم، فَقَولُه واقِعٌ موقع التَّعليلِ للنَّهي عن قَصِّ الرُّؤيا على إخوتِهِ.
ثُمَّ بيَّن لهُ بَعْدَ النُّصْحِ تأْويلَهَا وتفْسِيرَهَا، قائلاً: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} فَهَذِهِ الرُّؤيا تَدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى سَيَصْطَفِيكَ ويَخْتارُكَ ويَخُصُّكَ بالنُّبُوَّةِ {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} وتَدُلُ على أنَّ اللهَ تعالى سَيُعَلِّمُكَ تَعْبِيرَ بَعْضِ الرُّؤى المناميَّة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} بالنُّبُوَّةِ، فتَكون نبيّاً ورَسُولاً { ... كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ} وهُمَا جَدَّاكَ {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} فجَعَلهما نَبِيَّينِ {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بِمَن هُوَ أَهْلٌ للاجْتِبَاءِ {حَكِيمٌ (٦)} يَضَعُ الأشْيَاءَ مواضِعَها.
فكانَتْ تِلْكَ بِشارة من الله تعالى لِيُوسُفَ في المنام، وبِشَارة له من يَعْقُوبَ ـ - عليه السلام - ـ في اليَقَظَةِ، وقَد وَقَعَ ما بشَّرَ بِهِ يَعْقُوبُ ولَدَهُ حَرْفَاً بِحَرْفٍ.
* * *