403 · ص62 · ج10
حيث لا ينبغي له دعوى ذلك. وليس من شأني أن أناقشه في كلِّ موضع، ولكني أقول: حيث تصح دعواه، فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم. وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء، [١/ ٣٨] فالدعوى غير صحيحة. وإنما كتبتُ هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق.
الوجه الثاني: مقتضى اللغة. والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في "القاموس" ١: "من خَطَرات القلب أو مرجوح طَرَفَي المتردَّدِ فيه". والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحبّ أن يعتقد السامع ثبوته. وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه، وعلى من بينه وبينه نُفْرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يُحْمَد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يُذَمّ عليه. وقس على هذا كلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى، وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتُعارِضُها الموانعُ من الكذب. وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس ٢. فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة والصدق، فمَن ثبتت عدالته وعُرف بتحرّي الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في إخباره ٣ أن يقوم به بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته، أو لا يعرف أثر العدالة على النفس، أو مَن له هوى مخالف لذلك الخبر فهو يتمنّى أن لا يصح، كما قال المتنبي:
١ (ص ١٥٠٧ - الرسالة).
٢ (ص ٤٣ - ٥٠).
٣ كذا في (ط) بفتح الهمزة في الأولى وكسرها في الثانية.
404 · ص62 · ج11
[٢/ ٣٩] المسألة الثالثة
أفطر الحاجم والمحجوم
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٨ [٤٠٣]) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه قال: "ذُكِر لأبي حنيفة قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفطر الحاجم والمحجوم". فقال: هذا سجع".
قال الأستاذ (ص ٨١): "حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" لم يُثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين ... ومَن أثبته يرى الحديث إما منسوخًا باحتجام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم، وإمّا مؤولًا بمعنى أنهما عرضة للإفطار ... ".
قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر: الإمامُ أحمد، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو زرعة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم. فأما ابن معين ففي "الفتح" ١: "قال المرُّوذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت. فقال: هذا مجازفة".
وزعمُ الأستاذ أن مَن أثبته يراه منسوخًا أو مؤولًا، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث. قال ابن حجر في "فتح الباري" ٢: "وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يُفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذَّ عطاء، فأوجب الكفارة أيضًا. وقال بقول أحمد من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان ...
١ (٤/ ١٧٧).
٢ (٤/ ١٧٤).