340 · ص359
والاستعارةُ- باتِّفاقٍ مِنْ أهلِ البلاغةِ- أرفعُ درجاتِ البَدِيعِ، / وأعلى محاسِنِ الشِّعرِ، وآنَقُ مَنظرِ الكلامِ، وأعجبُ تصرفاتِ البليِغ، ولها موقِعٌ في الإبانةِ لا يقعُهُ سواها، ومَنْزِعٌ في الإيجازِ والاختصارِ (لا يُوجدُ في) ١ غيرِ بابِها؛ فانظرْ ما بين قولِكَ: كَثُرَ شيبُ رأسي، وقولِهِ تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: ٤]، وبين قولِكَ: تَذَلَّلْ لَهُما، وقولِهِ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: ٢٤]، / وبين قولِكَ: انتشرَ ضوءُ الفجرِ حتَّى غابَتِ النُّجومُ، وقولِ ذِي الرُّمَّةِ ٢:
........................ ... وَلَفَّ ٣ الثُّريَّا في مُلاءَتِه الفَجْرُ
وبين قولِكَ: فرسٌ سابِقُ الأوابِدِ حتَّى كأنَّها مقيَّدةٌ لم تسابقْه، ولا جرَتْ معه حِين جرى، مِنْ قولِ امْرِئ القَيْسِ ٤:
........................ ... قَيْدِ الأوابِدِ ..........
وكذلك انظرْ قولَ التَّاسِعةِ: «رَفِيعُ العِمَادِ» على مَنْ جعلَهُ الحَسَبَ، أين هو في بابِ البلاغةِ من قولِها لو قالَتْ: زوجِي شَريفٌ، أو حَسِيبٌ.
وانظرْ إيجازَ قولِها: «أَيْقَنَّ أنَّهُنَّ هَوَالِكَ» / وما تحتَهُ منَ المُبالغَةِ
/ في كثرةِ نحرِهِ، واستمرارِ عادَتِه، وجلاءِ ما قصدَتْه منْ ذلك باستعارتِها لهُنَّ
١ في (ت): «لا يؤخذ من».
٢ عجز لبيتٍ من الطويل، وتمامه:
قامت بها حتى ذوى العود والتوى ** وساق الثريا في ملاءته الفجر
ينظر: «ديوان ذي الرمة شرح الباهلي» (١/ ٥٦١).
٣ كذا جميع النسخ وفي «الديوان»: «وساق»، والمثبت من النسخ رواية للبيت كما في «سر الفصاحة» (ص: ١٢٢).
٤ سبق تخرج البيت.