45 · ص16
مفهوم الاستنباط:
إن معرفة مفهوم الاستنباط يوضح لنا بجلاء ما يمكن أن يكون داخلا معنا في هذا البحث من عدمه، لذا وجب تبيين هذا المفهوم من دون إسهاب، وذلك بتعريفه اللغوي والاصطلاحي، ومدى شمولية الاستنباط من القرآن، وذلك ببيان أهميته لتعلقه باستخراج الحكم والفوائد من آيات الذكر الحكيم.
تعريف الاستنباط:
التعريف اللغوي: مأخوذ من النّبْط، والنّبْط هو الماء الذي يَنبِط من قعر البئر إذا حُفرت، وقد نَبط ماؤها، يَنبِط نَبْطاً ونُبوطاً، وأنْبَطنا الماء أي استنبطناه وانتهينا إليه، وإنباط الماء واستنباطه هو إخراجه واستخراجه، واستنبطت هذا الأمر إذا فكرت فيه فأظهرته. ١
قال ابن فارس: ومادة نَبَطَ تدور على أصل واحد، وهو استخراج الشيء. ٢
التعريف الاصطلاحي: هو استخراج الأحكام والمعاني الخفية، والفوائد العلمية من الألفاظ والنصوص بطريق صحيح، اعتمادا على القريحة الذهنية. ٣
وعليه فيكون الاستنباط من القرآن: هو استخراج ما خفي في النص القرآني من المعاني والأحكام والفوائد العلمية بطريق صحيح. ٤
١ انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٢٤٩) - مادة نبط -، والصحاح (٣/ ١١٦٢)، مادة نبط،
وجمهرة اللغة (١/ ٣٦٢).
٢ مقاييس اللغة (٥/ ٣٠٤) - مادة نبط -.
٣ انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٤٨)، وإعلام الموقعين (١/ ١٧٢)، وكشف الأسرار للبخاري (١/ ٦٥).
٤ انظر: منهج الاستنباط من القرآن للدكتور فهد الوهبي ص ٤٥ بتصرف يسير، ومناهج الفقهاء في استنباط الأحكام للحبابي ص ٧.
46 · ص17
وقد عرفه الدكتور مساعد الطيار: بأنه عملية عقلية تعتمد على قدرة المجتهد في استخراج الفوائد المترتبة على النص الشرعي. ١
وقد تعرض السمعاني لتعريف الاستنباط بمعنييه اللغوي والاصطلاحي عند تفسيره لقوله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ}. فقال: " والاستنباط هو استخراج العلم، ومنه النبط، وهم قوم يستخرجون الماء ". ٢
ثم سار السمعاني على وفق هذا المنهج مؤمنًا بقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} معتقدًا شمولية هذا الكتاب العزيز لكل شيء من قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} فأصبح مفسرًا للآيات ومبيناً لمعانيها، ثم مستخرجاً لما تحمله بعض الآيات من الحكم والفوائد والعلوم، سواء أكان ذلك الاستنباط فقهياً أو عقدياً أو أصولياً أو غير ذلك من مواضيع الاستنباطات عنده، منوعاً رحمه الله في طرق الاستنباط فتارة تجده يستنبط بطريق دلالة النص أو عن طريق المفهوم أو بطريق الالتزام، أو بطريق الاقتران أو غير ذلك من أنواع الطرق والدلائل كما سيأتي خلال الدراسة.
ومن هنا برزت أهمية الاستنباط، لأنه لا يخفى على ذي لب بعد معرفة معنى الاستنباط أن له أهمية عظيمة وكبيرة، كيف لا، وهذا الاستنباط يستخرج من كلام
١ مقالة في الفرق بين التفسير والتأويل والاستنباط للدكتور مساعد الطيار ص ٨٤.
٢ تفسير السمعاني (١/ ٤٥٣).