51 · ص22
وكان أغلب علماء أهل مرو على مذهب القدرية في أصولهم، ومن جملتهم والد أبي المظفر محمد السمعاني، حتى نشأ أبو المظفر على هذا المعتقد، فأخذ أبو المظفر عن والده مذهب الحنفية، حتى فاق أقرانه، ففهم من علماء بلده ألوان العلوم الدينية، والعربية، وتاقت نفسه للرحلات لطلب العلم والتزود من علوم الدين، وذلك لما وهبه الله من حفظ قوي، وعقل متوقد، حتى أنه قد قال عن نفسه " ما حفظت شيئا فنسيته " ١.
ورحل إلى نيسابور ٢، وجرجان ٣، وهمذان ٤، وقزوين ٥، والري ٦، حتى وصل إلى مكة، وسمع من أئمة الشافعية، وتأثر بهم فترك مذهب الحنفية، وانتقل إلى مذهب
١ انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٩).
٢ نيسابور: مدينة من مدن خراسان، سميت بذلك نسبة إلى الملك سابور، الثاني الساساني، الذي جدد بنائها في المائة الرابعة، وقد كانت تلك المدينة ذات فضائل حسنة وعمارة، كثيرة الخيرات، وكانت مجمع العلماء، ومعدن الفضلاء، استولى عليها المغول سنة ٦١٨ هـ، ونهبوها ثم صلح أمرها مرة أخرى، وتقوم مدينة نيسابور الحالية في الجانب الشرقي من سهل نصف دائري، تكتنفه الجبال، ويواجه المفازة في جنوبه. انظر: آثار البلاد وأخبار العباد ص ٩٣، ومعجم البلدان (٥/ ٣٣١).
٣ جرجان: مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان، أول من نزلها جرجان بن أميم بن لاوذ بن سام فسميت به، وسار وبار بن أميم أخوه إلى جانب الدهناء مما يلي اليمامة فسميت به أرض وبار، ويسمى الجانب الشرقي منها (شهرستنان)، ويقال لها اليوم " من كركان " إلا أنها خربه إذا لم تقم لها قائمة بعد اكتساح المغول لها. انظر: الروض المعطار في أخبار الأقطار ص ١٦٠، وآثار البلاد ص ٣٤٨.
٤ همذان: هي أكبر مدينة في منطقة الجبال، ينسب إليها جماعة من العلماء والأدباء منهم بديع الزمان الهمذاني، ومحمد بن عربشاه، ومحمد بن موسى أبو بكر الهمذاني، وفي سنة ٦١٧ هـ قوض المغول هذه المدينة وأحالوها أرضا يبابا. انظر: معجم البلدان (٥/ ٤١٠)، بلدان الخلافة الشرقية ص ٢٢٩.
٥ قزوين: مدينة كبيرة مشهورة على نحو مائة ميل شمال غرب طهران، وهي في أسفل الجبال العظيمة، وقد كانت منذ القدم تحرس الدروب المخترقة إقليم طبرستان، وتؤدي بحر قزوين، وبناء تلك المدينة كان على وضع حسن فهما مدينتان أحدهما وسط الأخرى، وكانت الصغرى تسمى شهرستان، وتحيط بالمدينتين البساتين من جميع الجوانب، إلا إنه في مطلع المائة السابعة خرب المغول مدينة قزوين. انظر: آثار البلاد ص ٤٣٤، وبلدان الخلافة الشرقية ص ٢٥٣.
٦ الري: مدينة تقع في الطرف الشمالي الشرقي من إقليم الجبال واسمها عند اليونان " راكس " وفي المائة الرابعة للهجرة خرب أكثرها، وتحول أهلها إلى طهران القريبة منها، ينسب إليها كثير من العلماء منهم الفخر الرازي وسليمان بن مهران الملقب بالأعمش من كبار التابعين وغيرهم. انظر: آثار البلاد ص ٣٧٥، بلدان الخلافة الشرقية ص ٢٤٩.
52 · ص23
الشافعية، وترك مذهب القدرية في الأصول إلى مذهب أصحاب الحديث ثم عاد بعد ذلك لمرو بعد ان غضبوا عليه أهل مرو لانتقاله لمذهب الشافعية، ثم سكنوا بعد ذلك. ١
شيوخه: ٢
نظرا لهمته في طلب العلم فقد كثرت رحلاته ومن ثم كثروا شيوخه، ومن أبرزهم:
- والده الإمام محمد بن عبد الجبار السمعاني ت ٤٥٠ هـ. ٣
- أبو غانم الكراعي ت ٤٤٤ هـ. ٤
- كريمة بنت أحمد المروزية ت ٤٦٣ هـ. ٥
١ الأنساب (٧/ ١٣٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٥)، وطبقات السبكي (٧/ ١٨١).
٢ انظر الأنساب (٧/ ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٠٧)، والمنتخب من السياق ص ١٠٧، ومعجم الأدباء (٣/ ٢٢٤)، والأعلام (١/ ١٦٣).
٣ هو الإمام الورع النحوي أبو منصور محمد بن عبد الجبار بن أحمد السمعاني التميمي المروزي، أحكم العربية واللغة، وصنف فيها التصانيف المفيدة، وكان من أئمة المذهب الحنفي، ومنه تلقى ابنه أبو المظفر المذهب الحنفي، وبرع فيه، توفي رحمه الله سنة ٤٥٠ هـ. انظر: الأنساب (٣/ ٢٩٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٥).
٤ هو الشيخ الجليل أحمد بن علي بن الحسين المروزي الكراعي، من أكبر شيوخ السمعاني، وتلقى عنه السمعاني الحديث في مرو قبل الثامنة عشر من عمره حيث توفي أبو غانم سنة ٤٤٤ هـ. انظر: الأنساب (٥/ ٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٠٧).
٥ هي كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، أم الكرام، المجاورة بمكة، كانت كاتبة فاضلة عالمة سمعت من محمد بن مكي الكشميهني، كانت بكرا ولم تتزوج، وطال عمرها، وعلا إسنادها، قال أبو بكر بن أبي المظفر السمعاني: " سمعت الوالد يذكر كريمة ويقول: وهل رأى إنسان مثل كريمة " توفيت سنة ٤٦٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣٣).