الطلاق
الإيلاءالظهاراللعانالرجعةالشك في الطلاقطلاق المريضالعدةالاستثناء في الطلاقتعليق الطلاق بالشروطالطلاق في الماضي والمستقبلالخيارسنة الطلاق وبدعتهصريح الطلاق وكنايتهما يختلف به عدد الطلاقالتأويل في الحلفتفويض الطلاقإباحة الطلاق ووجهه وتفريعهالأمر باليدالإيلاء من نسوةثبوت النسبالشهادة في الطلاقالطلاق بالحساب والاستثناءطلاق السنةعلى من يجب التأقيت في الإيلاء ومن يسقط عنهما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع إلا بالنيةالمطلقة ثلاثاالإطعام في الظهارإيقاع الطلاقإيلاء الخصي غير المجبوب والمجبوبالأيمان في الطلاقالتأويل في الحلف بطلاق أو غيرهتصريح الطلاق وغيرهالتعليقالتعليق في الطلاقالرد على من قال إذا طلق لغير السنة لا يقعالشهادة في اللعانصريح الطلاقصريح الطلاق وكناياتهالصيام في الظهارطلاق الأخرسطلاق أهل الحربالطلاق بالحسابالطلاق بالوقت وطلاق المكرهطلاق غير المدخول بهاالعتق في الظهارالعدة وخروج المرأة من بيتهاالعنين وغيرهألفاظ الطلاقفي الخلعكفارة الظهارالكناياتالكنايات في الطلاقاللبس والتطيبما تقع به الفرقة مما يشبه الطلاقما لا يقع فيه الطلاق على المرأةما يختلف به عدد الطلاق وما يتعلق بهما يلحق من النسبما يهدم الرجل من الطلاقما يهدم الرجل من الطلاق من كتابينالمتعة والمهرالمشيئة في الطلاقمن الطلاقالولد عند من يكون في الفرقةالولد من أحق به
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
( وَأَمَّا ) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ فَخُلُوُّهُ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي غَيْرُ هَذَا أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ هَذَا أَوْ إلَّا أَنْ أُحِبَّ غَيْرَ هَذَا أَوْ قَالَ إنْ أَعَانَنِي اللَّهُ أَوْ يَسَّرَ اللَّهُ أَوْ قَالَ بِمَعُونَةِ اللَّهِ أَوْ بِتَيْسِيرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَوْصُولًا لَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا انْعَقَدَتْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَشَرَائِطِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ أَسْتَطِيعَ فَإِنْ عَنَى اسْتِطَاعَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْصِدُ فَلَا يَحْنَثُ أَبَدًا لِأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ عِنْدَنَا فَلَا تُوجَدُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ ، وَإِنْ عَنَى بِهِ اسْتِطَاعَةَ الْأَسْبَابِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ وَالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِطَاعَةِ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ } .
وَقَالَ { إنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا } وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِطَاعَةُ الْفِعْلِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا }
وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِطَاعَةُ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُحْمَلُ عَلَى اسْتِطَاعَةِ الْأَسْبَابِ وَهُوَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَانِعٌ مِنْ الْعَوَارِضِ وَالِاشْتِغَالِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَا ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَعْلَمُ ، .
وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ أَسْتَطِيعَ فَإِنْ عَنَى اسْتِطَاعَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْصِدُ فَلَا يَحْنَثُ أَبَدًا لِأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ عِنْدَنَا فَلَا تُوجَدُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ ، وَإِنْ عَنَى بِهِ اسْتِطَاعَةَ الْأَسْبَابِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ وَالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِطَاعَةِ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ } .
وَقَالَ { إنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا } وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِطَاعَةُ الْفِعْلِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا }
وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِطَاعَةُ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُحْمَلُ عَلَى اسْتِطَاعَةِ الْأَسْبَابِ وَهُوَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَانِعٌ مِنْ الْعَوَارِضِ وَالِاشْتِغَالِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَا ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَعْلَمُ ، .
المبسوط
اقرأ →
2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّلَاقِ
( قَالَ ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إمْلَاءً الطَّلَاقِ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْقَيْدِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِطْلَاقِ يَقُولُ الرَّجُلُ أَطْلَقْت إبِلِي وَأَطْلَقْت أَسِيرِي وَطَلَّقْت امْرَأَتِي فَالْكُلُّ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى فَفِي الْمَرْأَةِ يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ ، وَإِذَا تَمَّ رَفْعُ الْقَيْدِ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ لَا يَأْتِي تَقْيِيدُهُ ثَانِيًا فِي الْحَالِ فَفِي التَّفْعِيلِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ ; فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ طَلُقَتْ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ حِصَانٌ وَحِصَانٌ لَكِنْ يُقَالُ فِي الْفَرَسِ حِصَانٌ أَيْ بَيِّنُ التَّحَصُّنِ ، وَفِي الْمَرْأَةِ حَصَانٌ أَيْ بَيِّنَةُ الْحِصْنِ ، وَكَذَا يُقَالُ عَدْلٌ وَعَدِيلٌ وَكِلَاهُمَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْمُعَادَلَةِ وَلَكِنْ يَخْتَصُّ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ بِالْآدَمِيِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ وَمُوجِبُ الطَّلَاقِ فِي الشَّرِيعَةِ رَفْعُ الْحِلِّ الَّذِي بِهِ صَارَتْ الْمَرْأَةُ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ ثَلَاثًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَيُوجِبُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ سُقُوطِ الْيَدِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَانْعِدَامِ الْعِدَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ وَالِاعْتِيَاضِ عِنْدَ الْخُلْعِ .
فَالِاسْمُ شَرْعِيٌّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ مُبْغَضًا فِي الْأَصْلِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يُبَاحُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ نُشُوزٍ فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَخْلَعُ امْرَأَتَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ فَإِنَّ النِّكَاحَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ } الْآيَةَ وَكُفْرَانُ النِّعْمَةِ حَرَامٌ ، وَهُوَ رَفْعُ النِّكَاحِ الْمَسْنُونِ فَلَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَذَلِكَ إمَّا كِبَرُ السِّنِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا طَعَنَتْ فِي السِّنِّ طَلَّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا لِرِيبَةٍ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى 3 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ طَلِّقْهَا فَقَالَ إنِّي أُحِبُّهَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْهَا إذَنْ . }
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } وقَوْله تَعَالَى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } وَذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي كُلُّهُ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ { وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ } وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كِبَرُ سِنٍّ وَلَا رِيبَةَ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ أُمَّ عَاصِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ تُمَاضِرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَقَامَهُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفًّا وَقَالَ أَنْتُنَّ حِسَانُ الْأَخْلَاقِ نَاعِمَاتُ الْأَرْدَافِ طَوِيلَاتُ الْأَعْنَاقِ اذْهَبْنَ فَأَنْتُنَّ طَلَاقٌ وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اسْتَكْثَرَ مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ إنَّ ابْنِي هَذَا مِطْلَاقٌ فَلَا تُزَوِّجُوهُ فَقَالُوا إنَّا نُزَوِّجُهُ ثُمَّ نُزَوِّجُهُ وَلِأَنَّ هَذَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ فَيَكُونُ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ كَالْإِعْتَاقِ ، وَفِيهِ مَعْنَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ مِنْ وَجْهٍ وَمَعْنَى إزَالَةِ الرِّقِّ مِنْ وَجْهٍ فَالنِّكَاحُ رِقٌّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ أَيْنَ يَضَعُ كَرِيمَتَهُ } .
وَرُوِيَ { بِمَ يَرِقُّ كَرِيمَتَهُ } وَلِهَذَا صَانَ الشَّرْعُ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ عَنْ هَذَا الرِّقِّ حَيْثُ حَرَّمَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ .
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { وَإِنَّ أَبْغَضَ الْمُبَاحَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ } فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الرِّقِّ وَمُبْغِضٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ ثُمَّ مَعْنَى النِّعْمَةِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَاسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ سَبَبٌ لِامْتِدَادِ الْمُنَازَعَاتِ فَكَانَ الطَّلَاقُ مَشْرُوعًا مُبَاحًا لِلتَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ .
( قَالَ ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إمْلَاءً الطَّلَاقِ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْقَيْدِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِطْلَاقِ يَقُولُ الرَّجُلُ أَطْلَقْت إبِلِي وَأَطْلَقْت أَسِيرِي وَطَلَّقْت امْرَأَتِي فَالْكُلُّ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى فَفِي الْمَرْأَةِ يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ ، وَإِذَا تَمَّ رَفْعُ الْقَيْدِ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ لَا يَأْتِي تَقْيِيدُهُ ثَانِيًا فِي الْحَالِ فَفِي التَّفْعِيلِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ ; فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ طَلُقَتْ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ حِصَانٌ وَحِصَانٌ لَكِنْ يُقَالُ فِي الْفَرَسِ حِصَانٌ أَيْ بَيِّنُ التَّحَصُّنِ ، وَفِي الْمَرْأَةِ حَصَانٌ أَيْ بَيِّنَةُ الْحِصْنِ ، وَكَذَا يُقَالُ عَدْلٌ وَعَدِيلٌ وَكِلَاهُمَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْمُعَادَلَةِ وَلَكِنْ يَخْتَصُّ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ بِالْآدَمِيِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ وَمُوجِبُ الطَّلَاقِ فِي الشَّرِيعَةِ رَفْعُ الْحِلِّ الَّذِي بِهِ صَارَتْ الْمَرْأَةُ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ ثَلَاثًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَيُوجِبُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ سُقُوطِ الْيَدِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَانْعِدَامِ الْعِدَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ وَالِاعْتِيَاضِ عِنْدَ الْخُلْعِ .
فَالِاسْمُ شَرْعِيٌّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ مُبْغَضًا فِي الْأَصْلِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يُبَاحُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ نُشُوزٍ فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَخْلَعُ امْرَأَتَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ فَإِنَّ النِّكَاحَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ } الْآيَةَ وَكُفْرَانُ النِّعْمَةِ حَرَامٌ ، وَهُوَ رَفْعُ النِّكَاحِ الْمَسْنُونِ فَلَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَذَلِكَ إمَّا كِبَرُ السِّنِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا طَعَنَتْ فِي السِّنِّ طَلَّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا لِرِيبَةٍ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى 3 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ طَلِّقْهَا فَقَالَ إنِّي أُحِبُّهَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْهَا إذَنْ . }
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } وقَوْله تَعَالَى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } وَذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي كُلُّهُ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ { وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ } وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كِبَرُ سِنٍّ وَلَا رِيبَةَ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ أُمَّ عَاصِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ تُمَاضِرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَقَامَهُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفًّا وَقَالَ أَنْتُنَّ حِسَانُ الْأَخْلَاقِ نَاعِمَاتُ الْأَرْدَافِ طَوِيلَاتُ الْأَعْنَاقِ اذْهَبْنَ فَأَنْتُنَّ طَلَاقٌ وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اسْتَكْثَرَ مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ إنَّ ابْنِي هَذَا مِطْلَاقٌ فَلَا تُزَوِّجُوهُ فَقَالُوا إنَّا نُزَوِّجُهُ ثُمَّ نُزَوِّجُهُ وَلِأَنَّ هَذَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ فَيَكُونُ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ كَالْإِعْتَاقِ ، وَفِيهِ مَعْنَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ مِنْ وَجْهٍ وَمَعْنَى إزَالَةِ الرِّقِّ مِنْ وَجْهٍ فَالنِّكَاحُ رِقٌّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ أَيْنَ يَضَعُ كَرِيمَتَهُ } .
وَرُوِيَ { بِمَ يَرِقُّ كَرِيمَتَهُ } وَلِهَذَا صَانَ الشَّرْعُ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ عَنْ هَذَا الرِّقِّ حَيْثُ حَرَّمَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ .
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { وَإِنَّ أَبْغَضَ الْمُبَاحَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ } فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الرِّقِّ وَمُبْغِضٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ ثُمَّ مَعْنَى النِّعْمَةِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَاسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ سَبَبٌ لِامْتِدَادِ الْمُنَازَعَاتِ فَكَانَ الطَّلَاقُ مَشْرُوعًا مُبَاحًا لِلتَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ .
فتح القدير
اقرأ →
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ قَوْلُهُ ( ثُمَّ مُدَّةُ الرَّضَاعِ ) الَّتِي إذَا وَقَعَ الرَّضَاعُ فِيهَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ ( ثَلَاثُونَ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَا : سَنَتَانِ ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، وَقَالَ زُفَرُ : ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ، وَعَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ سَنَتَانِ وَشَهْرٌ ، وَفِي أُخْرَى شَهْرَانِ ، وَفِي أُخْرَى مَا دَامَ مُحْتَاجًا إلَى اللَّبَنِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا حَدَّ لَهُ لِلْإِطْلَاقَاتِ فَيُوجِبُ التَّحْرِيمَ وَلَوْ فِي حَالِ الْكِبَرِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ إلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَقَالَ 442 آخَرُونَ إلَى أَرْبَعِينَ سَنَةٍ ، وَلَا عِبْرَةَ بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْحَوْلَ حَسَنٌ إلَخْ ) هَذَا وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يَتَعَوَّدُ فِيهَا الصَّبِيُّ غَيْرَ اللَّبَنِ لِيَنْقَطِعَ الْإِنْبَاتُ بِاللَّبَنِ وَذَلِكَ بِزِيَادَةِ مُدَّةٍ يَتَعَوَّدُ فِيهَا الصَّبِيُّ تَغَيُّرَ الْغِذَاءَ وَالْحَوْلُ حَسَنٌ لِلتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ فَقُدِّرَ بِالثَّلَاثَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِمَا نُبَيِّنُ : أَيْ فِي دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } وَمُدَّةُ الْحَمْلِ أَدْنَاهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَبَقِيَ لِلْفِصَالِ حَوْلَانِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ هَكَذَا { لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ مِنْ حَوْلَيْنِ } وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْأَحْكَامِ وَقَالَ : لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ إلَّا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ ا هـ .
وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْعِجْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِلَا رَيْبٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَلَى عُمَرَ . وَأَظْهَرُ الْأَدِلَّةِ لَهُمَا قَوْله تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فَجَعَلَ التَّمَامَ بِهِمَا وَلَا مَزِيدَ عَلَى التَّمَامِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةُ . وَوَجْهُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَضَرَبَ لَهُمَا مُدَّةً فَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهَا كَالْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلَى شَخْصَيْنِ بِأَنْ قَالَ أَجَّلْت الدَّيْنَ الَّذِي لِي 443 عَلَى فُلَانٍ وَالدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ سَنَةً يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ السَّنَةَ بِكَمَالِهَا لِكُلٍّ ، أَوْ عَلَى شَخْصٍ فَيَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةُ أَقْفِزَةٍ إلَى سَنَةٍ فَصَدَّقَهُ الْمَقَرُّ لَهُ فِي الْأَجَلِ ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ يُتِمُّ أَجَلَهُمَا جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُ أَقَامَ الْمُنْقَصَ فِي أَحَدِهِمَا : يَعْنِي فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِقَدْرِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " وَلَوْ بِقَدْرِ ظِلِّ مِغْزَلٍ " . وَمِثْلُهُ مِمَّا لَا يُقَالُ إلَّا سَمَاعًا ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إلَيْهَا وَسَنُخَرِّجُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ } فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَالِ عَلَى ظَاهِرِهَا ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ لَفْظِ ثَلَاثِينَ مُسْتَعْمَلًا فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ فِي مَدْلُولِ ثَلَاثِينَ وَفِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَكَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْئَيْنِ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعْ ; لِأَنَّهُ مَا مِنْ جَمْعٍ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْئَيْنِ .
وَإِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ لَا يُتَجَوَّزُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي الْآخِرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ ; لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِعْلَامِ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا حَتَّى مُنِعَتْ الصَّرْفَ مَعَ سَبَبٍ وَاحِدٍ فَقَالُوا سِتَّةَ عَشْرَ ضِعْفُ ثَمَانِيَةٍ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، إلَّا أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ نَحْوَ عَشَرَةٍ إلَّا اثْنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِ ثَمَانِيَةً بَلْ عَشَرَةً فَأَخْرَجَ ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ مُطْلَقًا وَمُخْتَارُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فِيمَا إذَا كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ خِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْأُصُولِ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } الْآيَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْوَالِدَاتِ الْمُطَلَّقَاتُ بِقَرِينَةِ { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } فَإِنَّ الْفَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ نَفَقَتَهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ ظِئْرٌ أَوْجَهُ مِنْهَا فِي اعْتِبَارِهِ إيجَابَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ } الْآيَةَ ; وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا وَالِدَةً مُرْضِعَةً بَلْ مُتَعَلِّقَةً بِالزَّوْجِيَّةِ ، بِخِلَافِ اعْتِبَارِهَا نَفَقَةَ الظِّئْرِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ أُجْرَةً لَهَا ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا بِاعْتِبَارِهَا ظِئْرًا غَيْرَ زَوْجَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا أُجْرَةً لَهَا ، وَاللَّامُ مِنْ لِمَنْ أَرَادَ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْضِعْنَ : أَيْ يُرْضِعْنَ لِلْآبَاءِ الَّذِينَ أَرَادُوا إتْمَامَ 444 الرَّضَاعَةِ وَعَلَيْهِمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أُجْرَةً لَهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْوَاوُ مِنْ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ لِلْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يُتِمَّ كَانَ أَظْهَرَ فِي تَقْيِيدِ الْأُجْرَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَى الْآبَاءِ أُجْرَةً لِلْمُطَلَّقَةِ لِحَوْلَيْنِ ، وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ وَعَلَيْهِ أَوْ وَعَلَيْهِمْ لَكِنْ تُرِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى عِلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُ الْوَلَدِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْآبَاءِ .
وَالْحَاصِلُ حِينَئِذٍ : يُرْضِعْنَ حَوْلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ الْآبَاءِ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ بِالْأُجْرَةِ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ انْتِهَاءَ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ مُطْلَقًا بِالْحَوْلَيْنِ ، بَلْ مُدَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ بِالْإِرْضَاعِ ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا فِي الْجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا } عَطْفًا بِالْفَاءِ عَلَى يُرْضِعْنَ حَوْلَيْنِ فَعَلَّقَ الْفِصَالَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ عَلَى تَرَاضِيهِمَا . وَقَدْ يُقَالُ : كَوْنُ الدَّلِيلِ دَلَّ عَلَى بَقَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى انْتِهَائِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ أَرْضَعَ بَعْدَهَا لَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ .
وَمَا ذُكِرَ فِي وَجْهِ زِيَادَتِهَا لَا يُفِيدُ سِوَى أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الْفِطَامُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِيُعَوَّدَ فِيهَا غَيْرَ اللَّبَنِ قَلِيلًا قَلِيلًا لِتَعَذُّرِ نَقْلِهِ دَفْعَةً . فَأَمَّا أَنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَيَكُونُ مِنْ تَمَامِ مُدَّةِ التَّحْرِيمِ شَرْعًا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُحَرِّمْ إطْعَامَهُ غَيْرَ اللَّبَنِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ لِيَلْزَمَ زِيَادَةُ مُدَّةِ التَّعَوُّدِ عَلَيْهِمَا ، فَجَازَ أَنْ يُعَوَّدَ مَعَ اللَّبَنِ غَيْرَهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْعَادَةُ قَدْ اسْتَقَرَّتْ مَعَ انْقِضَائِهِمَا فَيُفْطَمُ عِنْدَهُ عَنْ اللَّبَنِ بِمَرَّةٍ فَلَيْسَتْ الزِّيَادَةُ بِلَازِمَةٍ فِي الْعَادَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ ، فَكَانَ الْأَصَحُّ قَوْلُهُمَا وَهُوَ مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ ، وَقَوْلُ زُفَرَ عَلَى هَذَا أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } الْمُرَادُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ التَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَلَدِ أَوْ لَا فَيَتَشَاوَرَانِ لِيَظْهَرَ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ .
وَأَمَّا ثُبُوتُ الضَّرَرِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَقَلَّ أَنْ يَقَعَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِطَامٌ بَلْ إنْ كَانَ فَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَتَمْنَعُهُ الْعُمُومَاتُ الْمَانِعَةُ مِنْ إدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ هَكَذَا { لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ مِنْ حَوْلَيْنِ } وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْأَحْكَامِ وَقَالَ : لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ إلَّا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ ا هـ .
وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْعِجْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِلَا رَيْبٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَلَى عُمَرَ . وَأَظْهَرُ الْأَدِلَّةِ لَهُمَا قَوْله تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فَجَعَلَ التَّمَامَ بِهِمَا وَلَا مَزِيدَ عَلَى التَّمَامِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةُ . وَوَجْهُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَضَرَبَ لَهُمَا مُدَّةً فَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهَا كَالْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلَى شَخْصَيْنِ بِأَنْ قَالَ أَجَّلْت الدَّيْنَ الَّذِي لِي 443 عَلَى فُلَانٍ وَالدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ سَنَةً يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ السَّنَةَ بِكَمَالِهَا لِكُلٍّ ، أَوْ عَلَى شَخْصٍ فَيَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةُ أَقْفِزَةٍ إلَى سَنَةٍ فَصَدَّقَهُ الْمَقَرُّ لَهُ فِي الْأَجَلِ ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ يُتِمُّ أَجَلَهُمَا جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُ أَقَامَ الْمُنْقَصَ فِي أَحَدِهِمَا : يَعْنِي فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِقَدْرِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " وَلَوْ بِقَدْرِ ظِلِّ مِغْزَلٍ " . وَمِثْلُهُ مِمَّا لَا يُقَالُ إلَّا سَمَاعًا ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إلَيْهَا وَسَنُخَرِّجُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ } فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَالِ عَلَى ظَاهِرِهَا ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ لَفْظِ ثَلَاثِينَ مُسْتَعْمَلًا فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ فِي مَدْلُولِ ثَلَاثِينَ وَفِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَكَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْئَيْنِ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعْ ; لِأَنَّهُ مَا مِنْ جَمْعٍ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْئَيْنِ .
وَإِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ لَا يُتَجَوَّزُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي الْآخِرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ ; لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِعْلَامِ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا حَتَّى مُنِعَتْ الصَّرْفَ مَعَ سَبَبٍ وَاحِدٍ فَقَالُوا سِتَّةَ عَشْرَ ضِعْفُ ثَمَانِيَةٍ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، إلَّا أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ نَحْوَ عَشَرَةٍ إلَّا اثْنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِ ثَمَانِيَةً بَلْ عَشَرَةً فَأَخْرَجَ ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ مُطْلَقًا وَمُخْتَارُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فِيمَا إذَا كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ خِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْأُصُولِ .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } الْآيَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْوَالِدَاتِ الْمُطَلَّقَاتُ بِقَرِينَةِ { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } فَإِنَّ الْفَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ نَفَقَتَهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ ظِئْرٌ أَوْجَهُ مِنْهَا فِي اعْتِبَارِهِ إيجَابَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ } الْآيَةَ ; وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا وَالِدَةً مُرْضِعَةً بَلْ مُتَعَلِّقَةً بِالزَّوْجِيَّةِ ، بِخِلَافِ اعْتِبَارِهَا نَفَقَةَ الظِّئْرِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ أُجْرَةً لَهَا ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا بِاعْتِبَارِهَا ظِئْرًا غَيْرَ زَوْجَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا أُجْرَةً لَهَا ، وَاللَّامُ مِنْ لِمَنْ أَرَادَ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْضِعْنَ : أَيْ يُرْضِعْنَ لِلْآبَاءِ الَّذِينَ أَرَادُوا إتْمَامَ 444 الرَّضَاعَةِ وَعَلَيْهِمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أُجْرَةً لَهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْوَاوُ مِنْ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ لِلْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يُتِمَّ كَانَ أَظْهَرَ فِي تَقْيِيدِ الْأُجْرَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَى الْآبَاءِ أُجْرَةً لِلْمُطَلَّقَةِ لِحَوْلَيْنِ ، وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ وَعَلَيْهِ أَوْ وَعَلَيْهِمْ لَكِنْ تُرِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى عِلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُ الْوَلَدِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْآبَاءِ .
وَالْحَاصِلُ حِينَئِذٍ : يُرْضِعْنَ حَوْلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ الْآبَاءِ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ بِالْأُجْرَةِ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ انْتِهَاءَ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ مُطْلَقًا بِالْحَوْلَيْنِ ، بَلْ مُدَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ بِالْإِرْضَاعِ ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا فِي الْجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا } عَطْفًا بِالْفَاءِ عَلَى يُرْضِعْنَ حَوْلَيْنِ فَعَلَّقَ الْفِصَالَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ عَلَى تَرَاضِيهِمَا . وَقَدْ يُقَالُ : كَوْنُ الدَّلِيلِ دَلَّ عَلَى بَقَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى انْتِهَائِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ أَرْضَعَ بَعْدَهَا لَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ .
وَمَا ذُكِرَ فِي وَجْهِ زِيَادَتِهَا لَا يُفِيدُ سِوَى أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الْفِطَامُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِيُعَوَّدَ فِيهَا غَيْرَ اللَّبَنِ قَلِيلًا قَلِيلًا لِتَعَذُّرِ نَقْلِهِ دَفْعَةً . فَأَمَّا أَنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَيَكُونُ مِنْ تَمَامِ مُدَّةِ التَّحْرِيمِ شَرْعًا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُحَرِّمْ إطْعَامَهُ غَيْرَ اللَّبَنِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ لِيَلْزَمَ زِيَادَةُ مُدَّةِ التَّعَوُّدِ عَلَيْهِمَا ، فَجَازَ أَنْ يُعَوَّدَ مَعَ اللَّبَنِ غَيْرَهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْعَادَةُ قَدْ اسْتَقَرَّتْ مَعَ انْقِضَائِهِمَا فَيُفْطَمُ عِنْدَهُ عَنْ اللَّبَنِ بِمَرَّةٍ فَلَيْسَتْ الزِّيَادَةُ بِلَازِمَةٍ فِي الْعَادَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ ، فَكَانَ الْأَصَحُّ قَوْلُهُمَا وَهُوَ مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ ، وَقَوْلُ زُفَرَ عَلَى هَذَا أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } الْمُرَادُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ التَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَلَدِ أَوْ لَا فَيَتَشَاوَرَانِ لِيَظْهَرَ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ .
وَأَمَّا ثُبُوتُ الضَّرَرِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَقَلَّ أَنْ يَقَعَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِطَامٌ بَلْ إنْ كَانَ فَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَتَمْنَعُهُ الْعُمُومَاتُ الْمَانِعَةُ مِنْ إدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
( قَوْلُهُ قَالَ لِزَوْجَتِهِ ) التَّقْيِيدُ بِالزَّوْجَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيَّةٍ قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ هَكَذَا فَسَّرَ الثَّبَاتَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا ) أَتَى بِذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ جَعَلَ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ ثَبَاتًا أَيْضًا مِثْلَ قَوْلِهِ هُوَ حَقٌّ وَنَحْوُهُ ، وَجَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ صَارَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى فِي زَمَنِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ ، خَالَفَهُ فِي بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ وَعَقَدَ لَهَا مَجَالِسَ عَدِيدَةً بِأَمْرِ السُّلْطَانِ قَايِتْبَايْ وَكَتَبَ خُطُوطَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ ، وَسَرَدَ فِيهِ نُصُوصَ أَئِمَّتِنَا .
ثُمَّ قَالَ : ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْمَانِعِ عَنْ الرُّجُوعِ هُوَ أَنْ يَقُولَ مَا قُلْته حَقٌّ أَوْ مَا أَقْرَرْت بِهِ ثَابِتٌ وَأَمَّا تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا ا هـ وَقَدْ لَوَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ الْمِنَحِ آخِرَ الْكِتَابِ إلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ ، وَأَنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الشَّافِعِيِّ فَأَجَابَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . ا هـ . قُلْت : وَرَأَيْتهَا فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فَقَالَ بَعْدَ عَرْضِ النُّقُولِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا مَا صُورَتُهُ : صَرِيحُ هَذِهِ النُّقُولِ وَمَنْطُوقُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَمَعَ النَّظَرِ إلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنْ الْجَمْعِ 223 بَيْنَ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَمِنْ النَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ شَاهِدٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ وَالْإِصْرَارِ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْمُقِرَّ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهَا إنْ ثَبَتَ عَلَى إقْرَارِهِ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ وَإِلَّا قِيلَ ، وَبِأَنَّ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، أَوْ يَقُولَ هُوَ حَقٌّ ، أَوْ كَمَا قُلْت أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ; كَقَوْلِهِ هُوَ صِدْقٌ أَوْ صَوَابٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدِي ، إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُ صِدْقٌ آكَدُ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ كَمَا قُلْت فَكَلَامُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ هُوَ حَقٌّ وَكَمَا قُلْت كَمَا فَعَلَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْكِيدِ ، وَكَلَامُ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَلَوْ بِطَرِيقِ الْحَصْرِ مُؤَوَّلٌ بِتَقْدِيرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى { قُلْ إنَّمَا يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } وَلَيْسَ فِي مَنْطُوقِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ التَّكْرَارَ يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ هُوَ حَقٌّ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ حَتَّى يَمْتَنِعَ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ : وَلَكِنْ الثَّابِتُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ ا هـ .
قُلْت : لَكِنْ مُرَادُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ كَالْمُجَدِّدِ إلَخْ أَيْ مَعَ الثَّبَاتِ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ أَنَّ الْإِقْرَارَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَهُ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ هَكَذَا : وَلَكِنْ الثَّابِتُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِقْرَارُهُ بِالْحُرْمَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَهَا . ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْعَقْدِ : وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا النُّطْقِ وَقَالَ هُوَ حَقٌّ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا . ا هـ . وَفِي الْبَدَائِعِ : أَمَّا الْإِقْرَارُ ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ وَيَثْبُتَ عَلَى ذَلِكَ وَيُصِرَّ عَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهَذَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَدَامَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا . ا هـ . قُلْت : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّضَاعَ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَخْفَى لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْنَعْ التَّنَاقُضَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ غَيْرُهُ تَبَيَّنَ لَهُ كَذِبُهُ فَرَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ أَقَرَّ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ أَوْ قَالَ هُوَ حَقٌّ أَوْ نَحْوُهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ وَأَنَّهُ جَازِمٌ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ بَعْدَهُ .
( قَوْلُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ) أَيْ وَلَوْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ شَرْطَ الْفُرْقَةِ وَهُوَ الثَّبَاتُ قَدْ وُجِدَ فَلَا يَنْفَعُهُ الْجُحُودُ بَعْدَهُ ذَخِيرَةٌ ( قَوْلُهُ جَازَ ) أَيْ صَحَّ النِّكَاحُ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا ) أَيْ لَمْ يَجْعَلْهَا الشَّارِعُ لَهَا فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهَا بِهَا ط .
( قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ) أَيْ سَوَاءٌ أَقَرَّتْ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ لَا ، وَسَوَاءٌ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْ لَا ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ إصْرَارَهُ مُثْبِتٌ لِلْحُرْمَةِ كَمَا عَلِمْت ، وَيُفْهَمُ مِمَّا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ إصْرَارَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ مَانِعٌ مِنْ تَزَوُّجِهَا بِهِ ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ يُؤَيِّدُ عَدَمَهُ ( قَوْلُهُ بَزَّازِيَّةٌ ) ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ آخِرَ كِتَابِ الطَّلَاقِ حَيْثُ قَالَ : قُلْت لِرَجُلٍ : أَنَّهُ أَبِي رَضَاعًا وَأَصَرَّتْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ يُنْكِرُهُ ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ أَكَذَبَتْهُ فِيهِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى قَوْلِهَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَبِهِ يُفْتَى . ا هـ .
( قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ إلَخْ ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الصُّغْرَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ بِلَفْظِ : 224 وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ حَلَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ آخِرَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ قَالَتْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ثُمَّ أَرَادَتْ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا مِنْهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْ أَكَذَبَتْ نَفْسَهَا ، وَنَصَّ فِي الرَّضَاعِ عَلَى أَنَّهَا إذَا قَالَتْ هَذَا ابْنِي رَضَاعًا وَأَصَرَّتْ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا . قَالُوا وَبِهِ يُفْتَى فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ا هـ كَلَامُ الْبَزَّازِيَّةِ ، فَقَوْلُهُ وَنَصَّ إلَخْ يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ لَهَا التَّزَوُّجَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ كَمَا فَعَلَ فِي الْخُلَاصَةِ ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِيلَاءِ حَيْثُ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ هَذِهِ وَأَسْقَطَ قَوْلَهُ وَنَصَّ فِي الرَّضَاعِ إلَخْ ( قَوْلُهُ حَلَّ لَهَا تَزَوُّجُهُ ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّهَا مِمَّا يَخْفَى لِاسْتِقْلَالِ الرَّجُلِ بِهِ فَصَحَّ رُجُوعُهَا نَهْرٌ أَيْ حَلَّ فِي الْحُكْمِ ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا إذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِالثَّلَاثِ ح ( قَوْلُهُ أَوْ أَقَرَّا بِذَلِكَ ) أَيْ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ أَيْ وَلَمْ يُصِرَّ الرَّجُلُ عَلَى إقْرَارِهِ فَإِنَّهُ إذَا أَصَرَّ لَا يَنْفَعُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ .
ثُمَّ قَالَ : ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْمَانِعِ عَنْ الرُّجُوعِ هُوَ أَنْ يَقُولَ مَا قُلْته حَقٌّ أَوْ مَا أَقْرَرْت بِهِ ثَابِتٌ وَأَمَّا تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا ا هـ وَقَدْ لَوَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ الْمِنَحِ آخِرَ الْكِتَابِ إلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ ، وَأَنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الشَّافِعِيِّ فَأَجَابَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . ا هـ . قُلْت : وَرَأَيْتهَا فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فَقَالَ بَعْدَ عَرْضِ النُّقُولِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا مَا صُورَتُهُ : صَرِيحُ هَذِهِ النُّقُولِ وَمَنْطُوقُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَمَعَ النَّظَرِ إلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنْ الْجَمْعِ 223 بَيْنَ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَمِنْ النَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ شَاهِدٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ وَالْإِصْرَارِ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْمُقِرَّ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهَا إنْ ثَبَتَ عَلَى إقْرَارِهِ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ وَإِلَّا قِيلَ ، وَبِأَنَّ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، أَوْ يَقُولَ هُوَ حَقٌّ ، أَوْ كَمَا قُلْت أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ; كَقَوْلِهِ هُوَ صِدْقٌ أَوْ صَوَابٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدِي ، إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُ صِدْقٌ آكَدُ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ كَمَا قُلْت فَكَلَامُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ هُوَ حَقٌّ وَكَمَا قُلْت كَمَا فَعَلَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْكِيدِ ، وَكَلَامُ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَلَوْ بِطَرِيقِ الْحَصْرِ مُؤَوَّلٌ بِتَقْدِيرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى { قُلْ إنَّمَا يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } وَلَيْسَ فِي مَنْطُوقِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ التَّكْرَارَ يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ هُوَ حَقٌّ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ حَتَّى يَمْتَنِعَ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ : وَلَكِنْ الثَّابِتُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ ا هـ .
قُلْت : لَكِنْ مُرَادُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ كَالْمُجَدِّدِ إلَخْ أَيْ مَعَ الثَّبَاتِ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ أَنَّ الْإِقْرَارَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَهُ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ هَكَذَا : وَلَكِنْ الثَّابِتُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِقْرَارُهُ بِالْحُرْمَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَهَا . ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْعَقْدِ : وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا النُّطْقِ وَقَالَ هُوَ حَقٌّ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا . ا هـ . وَفِي الْبَدَائِعِ : أَمَّا الْإِقْرَارُ ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ وَيَثْبُتَ عَلَى ذَلِكَ وَيُصِرَّ عَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهَذَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَدَامَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا . ا هـ . قُلْت : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّضَاعَ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَخْفَى لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْنَعْ التَّنَاقُضَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ غَيْرُهُ تَبَيَّنَ لَهُ كَذِبُهُ فَرَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ أَقَرَّ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ أَوْ قَالَ هُوَ حَقٌّ أَوْ نَحْوُهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ وَأَنَّهُ جَازِمٌ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ بَعْدَهُ .
( قَوْلُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ) أَيْ وَلَوْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ شَرْطَ الْفُرْقَةِ وَهُوَ الثَّبَاتُ قَدْ وُجِدَ فَلَا يَنْفَعُهُ الْجُحُودُ بَعْدَهُ ذَخِيرَةٌ ( قَوْلُهُ جَازَ ) أَيْ صَحَّ النِّكَاحُ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا ) أَيْ لَمْ يَجْعَلْهَا الشَّارِعُ لَهَا فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهَا بِهَا ط .
( قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ) أَيْ سَوَاءٌ أَقَرَّتْ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ لَا ، وَسَوَاءٌ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْ لَا ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ إصْرَارَهُ مُثْبِتٌ لِلْحُرْمَةِ كَمَا عَلِمْت ، وَيُفْهَمُ مِمَّا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ إصْرَارَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ مَانِعٌ مِنْ تَزَوُّجِهَا بِهِ ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ يُؤَيِّدُ عَدَمَهُ ( قَوْلُهُ بَزَّازِيَّةٌ ) ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ آخِرَ كِتَابِ الطَّلَاقِ حَيْثُ قَالَ : قُلْت لِرَجُلٍ : أَنَّهُ أَبِي رَضَاعًا وَأَصَرَّتْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ يُنْكِرُهُ ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ أَكَذَبَتْهُ فِيهِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى قَوْلِهَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَبِهِ يُفْتَى . ا هـ .
( قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ إلَخْ ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الصُّغْرَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ بِلَفْظِ : 224 وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ حَلَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ آخِرَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ قَالَتْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ثُمَّ أَرَادَتْ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا مِنْهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْ أَكَذَبَتْ نَفْسَهَا ، وَنَصَّ فِي الرَّضَاعِ عَلَى أَنَّهَا إذَا قَالَتْ هَذَا ابْنِي رَضَاعًا وَأَصَرَّتْ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا . قَالُوا وَبِهِ يُفْتَى فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ا هـ كَلَامُ الْبَزَّازِيَّةِ ، فَقَوْلُهُ وَنَصَّ إلَخْ يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ لَهَا التَّزَوُّجَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ كَمَا فَعَلَ فِي الْخُلَاصَةِ ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِيلَاءِ حَيْثُ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ هَذِهِ وَأَسْقَطَ قَوْلَهُ وَنَصَّ فِي الرَّضَاعِ إلَخْ ( قَوْلُهُ حَلَّ لَهَا تَزَوُّجُهُ ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّهَا مِمَّا يَخْفَى لِاسْتِقْلَالِ الرَّجُلِ بِهِ فَصَحَّ رُجُوعُهَا نَهْرٌ أَيْ حَلَّ فِي الْحُكْمِ ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا إذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِالثَّلَاثِ ح ( قَوْلُهُ أَوْ أَقَرَّا بِذَلِكَ ) أَيْ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ أَيْ وَلَمْ يُصِرَّ الرَّجُلُ عَلَى إقْرَارِهِ فَإِنَّهُ إذَا أَصَرَّ لَا يَنْفَعُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ .
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
كتاب الطلاق
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
161 كِتَابُ الطَّلَاقِ
وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحْسَنُ ، وَحَسَنٌ ، وَبِدْعِيُّ . فَأَحْسَنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ ، وَيَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَحَسَنُهُ : أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَلَا جِمَاعَ فِيهَا ، وَالشَّهْرُ لِلْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ كَالْحَيْضَةِ ، وَيَجُوزُ طَلَاقُهُنَّ عَقِيبَ الْجِمَاعِ .
وَالْبِدْعَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي طُهْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ ، أَوْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَيَقَعُ وَيَكُونُ عَاصِيًا ، وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا حَالَةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ ، وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَالَةَ الْحَيْضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ ، وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ ، وَإِنْ نَوَى وُقُوعَهُنَّ السَّاعَةَ وَقَعْنَ ( ز ) ، وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ ، وَالْأَمَةِ ثِنْتَانِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالرَّجُلِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ ، وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُسْتَيْقِظٍ .
وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحْسَنُ ، وَحَسَنٌ ، وَبِدْعِيُّ . فَأَحْسَنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ ، وَيَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَحَسَنُهُ : أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَلَا جِمَاعَ فِيهَا ، وَالشَّهْرُ لِلْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ كَالْحَيْضَةِ ، وَيَجُوزُ طَلَاقُهُنَّ عَقِيبَ الْجِمَاعِ .
وَالْبِدْعَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي طُهْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ ، أَوْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَيَقَعُ وَيَكُونُ عَاصِيًا ، وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا حَالَةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ ، وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَالَةَ الْحَيْضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ ، وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ ، وَإِنْ نَوَى وُقُوعَهُنَّ السَّاعَةَ وَقَعْنَ ( ز ) ، وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ ، وَالْأَمَةِ ثِنْتَانِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالرَّجُلِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ ، وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُسْتَيْقِظٍ .
المالكية
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
اقرأ →
ص ( وَضَمَانُهُ إنْ هَلَكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا )
ش : يُرِيدُ أَوْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِيَدِ أَمِينٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ .
ص ( وَتَعَيَّنَ مَا اشْتَرَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ )
ش : فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ نِصْفَ الْأَصْلِ وَلَيْسَ لَهَا هِيَ أَنْ تُجْبِرَهُ عَلَى نِصْفِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي فَصْلِ طَلَاقِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا : وَإِنْ كَانَتْ اشْتَرَتْ بِهِ أَيْ : بِالصَّدَاقِ مَا لَا يَصْلُحُ لِجِهَازِهَا رَجَعَ بِنِصْفِ الْعَيْنِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَتَاعِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ ابْتَاعَتْ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا يَصْلُحُ لِجِهَازِهَا وَيَأْخُذُ نِصْفَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ سِوَاهُ . قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَصْدَقَهَا إيَّاهُ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ : يَعْنِي أَنَّهَا بَيَّنَتْ لِلزَّوْجِ أَنَّهَا تَشْتَرِي ذَلِكَ بِالصَّدَاقِ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ : وَقَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ هَذَا جَيِّدٌ إذَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا وَافْتَرَقَا مِنْ الْمَجْلِسِ وَلَوْ اشْتَرَتْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَجْلِسِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصَّدَاقِ .
ص ( وَهَلْ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ إنْ قَصَدَتْ التَّخْفِيفَ ؟ تَأْوِيلَانِ )
ش الْأَوَّلُ : تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ كَمَا ذَكَرَهُ ، وَالثَّانِي : تَأْوِيلُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ .
ص ( وَمَا اشْتَرَتْهُ مِنْ جِهَازِهَا وَإِنْ مِنْ غَيْرِهِ )
ش : قَالَ فِي الشَّامِلِ : إنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ عَيْبٍ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِهَا وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ .
ص ( وَسَقَطَ الْمَزِيدُ بِالْمَوْتِ فَقَطْ )
ش : احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ مِنْ الْهَدِيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْعَقْدِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ بَلْ تَكْمُلُ بِهِ أَوْ بِالدُّخُولِ فَلَهَا حُكْمُ الصَّدَاقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ فِي الْكَبِيرِ
ش : يُرِيدُ أَوْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِيَدِ أَمِينٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ .
ص ( وَتَعَيَّنَ مَا اشْتَرَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ )
ش : فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ نِصْفَ الْأَصْلِ وَلَيْسَ لَهَا هِيَ أَنْ تُجْبِرَهُ عَلَى نِصْفِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي فَصْلِ طَلَاقِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا : وَإِنْ كَانَتْ اشْتَرَتْ بِهِ أَيْ : بِالصَّدَاقِ مَا لَا يَصْلُحُ لِجِهَازِهَا رَجَعَ بِنِصْفِ الْعَيْنِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَتَاعِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ ابْتَاعَتْ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا يَصْلُحُ لِجِهَازِهَا وَيَأْخُذُ نِصْفَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ سِوَاهُ . قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَصْدَقَهَا إيَّاهُ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ : يَعْنِي أَنَّهَا بَيَّنَتْ لِلزَّوْجِ أَنَّهَا تَشْتَرِي ذَلِكَ بِالصَّدَاقِ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ : وَقَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ هَذَا جَيِّدٌ إذَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا وَافْتَرَقَا مِنْ الْمَجْلِسِ وَلَوْ اشْتَرَتْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَجْلِسِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصَّدَاقِ .
ص ( وَهَلْ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ إنْ قَصَدَتْ التَّخْفِيفَ ؟ تَأْوِيلَانِ )
ش الْأَوَّلُ : تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ كَمَا ذَكَرَهُ ، وَالثَّانِي : تَأْوِيلُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ .
ص ( وَمَا اشْتَرَتْهُ مِنْ جِهَازِهَا وَإِنْ مِنْ غَيْرِهِ )
ش : قَالَ فِي الشَّامِلِ : إنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ عَيْبٍ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِهَا وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ .
ص ( وَسَقَطَ الْمَزِيدُ بِالْمَوْتِ فَقَطْ )
ش : احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ مِنْ الْهَدِيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْعَقْدِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ بَلْ تَكْمُلُ بِهِ أَوْ بِالدُّخُولِ فَلَهَا حُكْمُ الصَّدَاقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ فِي الْكَبِيرِ
منح الجليل شرح مختصر خليل
اقرأ →
باب الطلاق
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
2 ( كِتَابُ الطَّلَاقِ ) هُوَ لُغَةً حَلُّ الْقَيْدِ وَشَرْعًا حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ بِاللَّفْظِ الْآتِي وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ ، وَهُوَ إمَّا وَاجِبٌ كَطَلَاقِ مُولٍ لَمْ يُرِدْ الْوَطْءَ وَحَكَمَيْنِ رَأَيَاهُ . أَوْ مَنْدُوبٌ كَأَنْ يَعْجِزَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا وَلَوْ لِعَدَمِ الْمَيْلِ إلَيْهَا أَوْ تَكُونَ غَيْرَ عَفِيفَةٍ مَا لَمْ يَخْشَ الْفُجُورَ بِهَا وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَالَ لَهُ إنَّ زَوْجَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ أَيْ لَا تَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْفُجُورَ بِهَا عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ فِي مَعْنَاهُ بِإِمْسَاكِهَا خَشْيَةً مِنْ ذَلِكَ ، وَيَلْحَقُ بِخَشْيَةِ الْفُجُورِ بِهَا حُصُولُ مَشَقَّةٍ لَهُ بِفِرَاقِهَا تُؤَدِّي إلَى مُبِيحِ تَيَمُّمٍ 3 وَكَوْنُ مَقَامِهَا عِنْدَهُ أَمْنَعَ لِفُجُورِهَا فِيمَا يَظْهَرُ فِيهِمَا أَوْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ أَيْ بِحَيْثُ لَا يُصْبَرُ عَلَى عِشْرَتِهَا عَادَةً فِيمَا يَظْهَرُ ، وَإِلَّا فَمَتَى تُوجَدُ امْرَأَةٌ غَيْرُ سَيِّئَةِ الْخُلُقِ . وَفِي الْحَدِيثِ { الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ } كِنَايَةٌ عَنْ نُدْرَةِ وُجُودِهَا إذْ الْأَعْصَمُ ، وَهُوَ أَبْيَضُ الْجَنَاحَيْنِ وَقِيلَ الرِّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا كَذَلِكَ أَوْ يَأْمُرَهُ بِهِ أَحَدُ وَالِدَيْهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ نَحْوِ تَعَنُّتٍ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحَمْقَى مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَمَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ أَوْ مَشَقَّةٍ بِطَلَاقِهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ حَرَامٌ كَالْبِدْعِيِّ أَوْ مَكْرُوهٌ بِأَنْ سَلِمَ الْحَالُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَلَالِ أَبْغَضَ إلَى اللَّهِ مِنْ الطَّلَاقِ } ، وَإِثْبَاتُ بُغْضِهِ تَعَالَى لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ زِيَادَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ لَا حَقِيقَتُهُ لِمُنَافَاتِهَا لِحِلِّهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَيْسَ فِيهِ مُبَاحٌ لَكِنْ صَوَّرَهُ الْإِمَامُ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَهِهَا أَيْ شَهْوَةً كَامِلَةً لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا مَرَّ فِي عَدَمِ الْمَيْلِ إلَيْهَا وَلَا تَسَمُّحِ نَفْسِهِ بِمُؤْنَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَمَتُّعٍ بِهَا ، وَأَرْكَانُهُ زَوْجٌ وَصِيغَةٌ وَقَصْدٌ عَلَى مَا يَأْتِي فِيهِ وَمَحَلٌّ وَوِلَايَةٌ عَلَيْهِ ( يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ ) أَيْ لِصِحَّةِ تَنْجِيزِهِ أَوْ تَعْلِيقِهِ كَوْنُهُ مِنْ زَوْجٍ أَمَّا وَكِيلُهُ أَوْ الْحَاكِمُ فِي الْمُولِي فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا تَعْلِيقُهُ ، وَيُعْلَمُ هَذَا مِمَّا قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْخُلْعِ وَمِمَّا سَيَذْكُرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ قَبْلَ النِّكَاحِ وَ ( التَّكْلِيفُ ) فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقٌ وَلَا تَنْجِيزٌ مِنْ نَحْوِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَنَائِمٍ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ لَكِنْ لَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَبِهِ نَحْوُ جُنُونٍ وَقَعَ ، وَالِاخْتِيَارُ فَلَا يَقَعُ مِنْ مُكْرَهٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ ( إلَّا السَّكْرَانَ ) ، وَهُوَ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمُسْكِرٍ تَعَدِّيًا ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ حَيْثُ أُطْلِقَ وَسَيَذْكُرُ أَنَّ مِثْلَهُ كُلُّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمَا أَثِمَ بِهِ مِنْ نَحْوِ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُهُ مَعَ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ مُخَاطَبَتِهِ حَالَ السُّكْرِ لِعَدَمِ فَهْمِهِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ 4 وَنُفُوذُ تَصَرُّفَاتِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ الدَّالُّ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِ بِالْقَذْفِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ ، وَهُوَ رَبْطُ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ؛ لِتَعَدِّيهِ ، وَأَلْحَقَ مَا لَهُ بِمَا عَلَيْهِ طَرْدُ اللُّبَابِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ إيرَادِ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ عَلَى أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ قَدْ لَا يَعُمُّهُمَا كَكَوْنِ الْقَتْلِ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ ، وَالنَّهْيُ فِي { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ، وَأَنْتُمْ سُكَارَى } لِمَنْ فِي أَوَائِلِ النَّشْأَةِ لِبَقَاءِ عَقْلِهِ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِخِلَافِ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ سَوَاءٌ أَصَارَ زِقًّا مَطْرُوحًا أَمْ لَا ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ التَّكْلِيفَ أَرَادَ أَنَّهُ بَعْدَ صَحْوِهِ مُكَلَّفٌ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ أَوْ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ ، وَإِلَّا لَزِمَ صِحَّةُ نَحْوِ صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ ، وَيُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ جُنُونٌ لَمْ يَتَوَلَّدْ عَنْ السُّكْرِ بِهِ وَقَعَ عَلَيْهِ الْمُدَّةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا السُّكْرُ غَالِبًا .
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
423 كِتَابُ الطَّلَاقِ هُوَ لُغَةً حَلُّ الْقَيْدِ . وَشَرْعًا حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ بِاللَّفْظِ الْآتِي . وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بَلْ : سَائِرُ الْمِلَلِ ، وَهُوَ إمَّا وَاجِبٌ كَطَلَاقِ مُولٍ لَمْ يُرِدْ الْوَطْءَ وَحَكَمَيْنِ رَأَيَاهُ أَوْ مَنْدُوبٌ كَأَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا وَلَوْ لِعَدَمِ الْمَيْلِ إلَيْهَا ، أَوْ تَكُونُ غَيْرَ عَفِيفَةٍ مَا لَمْ يَخْشَ الْفُجُورَ بِهَا أَوْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ : أَيْ بِحَيْثُ لَا يَصْبِرُ عَلَى عِشْرَتِهَا عَادَةً فِيمَا يَظْهَرُ ، وَإِلَّا فَمَتَى تُوجَدُ امْرَأَةٌ غَيْرُ سَيِّئَةِ الْخُلُقِ ؟ وَفِي الْخَبَرِ الشَّرِيفِ { الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ } كِنَايَةً عَنْ نُدْرَةِ وُجُودِهَا ، إذْ الْأَعْصَمُ وَهُوَ أَبْيَضُ الْجَنَاحَيْنِ ، وَقِيلَ الرِّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا كَذَلِكَ أَوْ يَأْمُرُهُ بِهِ أَحَدُ وَالِدَيْهِ : أَيْ مِنْ غَيْرِ نَحْوِ تَعَنُّتٍ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحَمْقَى مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَمَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ أَوْ مَشَقَّةٍ بِطَلَاقِهَا فِيمَا يَظْهَرُ ، أَوْ حَرَامٌ كَالْبِدْعِيِّ أَوْ مَكْرُوهٌ بِأَنْ سَلِمَ الْحَالُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَلَالِ أَبْغَضَ إلَى اللَّهِ مِنْ الطَّلَاقِ } وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ } وَإِثْبَاتُ بُغْضِهِ تَعَالَى لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ زِيَادَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ لَا حَقِيقَتُهُ لِمُنَافَاتِهَا لِحِلِّهِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَيْسَ فِيهِ مُبَاحٌ لَكِنْ صَوَّرَهُ الْإِمَامُ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَهِهَا ، أَيْ شَهْوَةً كَامِلَةً لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا مَرَّ فِي عَدَمِ الْمَيْلِ إلَيْهَا وَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمُؤْنَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَمَتُّعٍ بِهَا .
الأم
اقرأ →
باب الطلاق
الأم
اقرأ →
كتاب الطلاق
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
111 كِتَابُ الطَّلَاقِ
بَابُ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهِهِ وَتَفْرِيَعِهِ مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنْ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ جِمَاعِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَقَدْ قُرِئَتْ : لِقَبْلِ " عِدَّتِهِنَّ " ( قَالَ ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطَّلَاقِ : 1 ] ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عَامُّ الْحُكْمِ فِيهِ وَفِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ .
فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ .
فَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ فَأَتَتْ أَهْلَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فَقِيلَ لَهُ : رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي الْجَنَّةِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لِعِدَّتِهِنَّ أَيْ فِي طُهْرِهِنَّ إِذَا لَمْ يُجَامَعْنَ فِيهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فَطَلِّقُوهُنَ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَقَالَ تَعَالَى : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ الْبَقَرَةِ : 229 ] ، وَفِي قَوْلِهِ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بَيَانٌ لِعَدَدِ الطَّلَاقِ وَتَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَلَا يَمْلِكُهَا فِي الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ وَقَتَادَةَ . 112 رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ مَا شَاءَ ثُمَّ إِنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهَا : لَا أَقْرَبُكِ وَلَا تَخْلُصِينَ مِنِّي ، قَالَتْ لَهُ : وَكَيْفَ ؟ قَالَ أُطَلِّقُكِ فَإِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ . ثُمَّ أُطَلِّقُكِ فَإِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ . قَالَ : فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ الْآيَةَ .
فَقَدَّرَهُ بِالثَّلَاثِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ نَزَلَ الطَّلَاقُ مُوَافِقًا لِطَلَاقِ الْأَعْشَى فِي تَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ حِينَ يَقُولُ :
﴿﴾ أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَوْمُوقَةٌ مَا أَنْتِ فِينَا وَوَامِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خَيْرٌ مِنَ الْعَصَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَلَّا تَزَالَ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَهْ ﴿﴾ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : أَنَّهُ بَيَانٌ لِسُنَّةِ الطَّلَاقِ أَنْ يُوقِعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةً وَأَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي قُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَفِي قَوْلِهِ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ الْبَقَرَةِ 229 ] ، تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الَإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَالتَّسْرِيحَ بِالْإِحْسَانِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ .
رَوَى سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : الطَّلَاقُ مَرَتَانِ فَأَيْنَ الثَالِثَةُ ؟ قَالَ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ رَجْعَتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .
وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ .
وَقَالَ تَعَالَى : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقَالَ تَعَالَى : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [ الْبَقَرَةِ : 236 ] ، الْآيَةَ .
فَأَمَّا السُّنَّةُ : فَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَحَدُكُمْ لِامْرَأَتِهِ قَدْ طَلَّقْتُكِ قَدْ رَاجَعْتُكِ لَيْسَ هَذَا طَلَاقُ الْمُسْلِمِينَ . تُطَلَّقُ الْمَرْأَةُ فِي قَبْلِ عِدَّتِهَا 113 وَرَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ : النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظِبْيَانَ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا . فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَةُ الطَّلَاقِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا تَعَقَّبَهُمَا مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَالطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّخْلِيَةُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَعْجَةٌ طَالِقٌ إِذَا خُلِّيَتْ مُهْمَلَةً بِغَيْرِ رَاعٍ .
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ :
﴿﴾ تَنَاذَرَهَا الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سَمِّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ تُطَلَّقُ طَوْرًا وَطَوْرًا تُرَاجَعُ ﴿﴾
بَابُ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهِهِ وَتَفْرِيَعِهِ مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنْ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ جِمَاعِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَقَدْ قُرِئَتْ : لِقَبْلِ " عِدَّتِهِنَّ " ( قَالَ ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطَّلَاقِ : 1 ] ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عَامُّ الْحُكْمِ فِيهِ وَفِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ .
فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ .
فَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ فَأَتَتْ أَهْلَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فَقِيلَ لَهُ : رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي الْجَنَّةِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لِعِدَّتِهِنَّ أَيْ فِي طُهْرِهِنَّ إِذَا لَمْ يُجَامَعْنَ فِيهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فَطَلِّقُوهُنَ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَقَالَ تَعَالَى : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ الْبَقَرَةِ : 229 ] ، وَفِي قَوْلِهِ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بَيَانٌ لِعَدَدِ الطَّلَاقِ وَتَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَلَا يَمْلِكُهَا فِي الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ وَقَتَادَةَ . 112 رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ مَا شَاءَ ثُمَّ إِنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهَا : لَا أَقْرَبُكِ وَلَا تَخْلُصِينَ مِنِّي ، قَالَتْ لَهُ : وَكَيْفَ ؟ قَالَ أُطَلِّقُكِ فَإِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ . ثُمَّ أُطَلِّقُكِ فَإِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ . قَالَ : فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ الْآيَةَ .
فَقَدَّرَهُ بِالثَّلَاثِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ نَزَلَ الطَّلَاقُ مُوَافِقًا لِطَلَاقِ الْأَعْشَى فِي تَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ حِينَ يَقُولُ :
﴿﴾ أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَوْمُوقَةٌ مَا أَنْتِ فِينَا وَوَامِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خَيْرٌ مِنَ الْعَصَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَلَّا تَزَالَ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَهْ ﴿﴾ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : أَنَّهُ بَيَانٌ لِسُنَّةِ الطَّلَاقِ أَنْ يُوقِعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةً وَأَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي قُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَفِي قَوْلِهِ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ الْبَقَرَةِ 229 ] ، تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الَإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَالتَّسْرِيحَ بِالْإِحْسَانِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ .
رَوَى سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : الطَّلَاقُ مَرَتَانِ فَأَيْنَ الثَالِثَةُ ؟ قَالَ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ رَجْعَتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .
وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ .
وَقَالَ تَعَالَى : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقَالَ تَعَالَى : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [ الْبَقَرَةِ : 236 ] ، الْآيَةَ .
فَأَمَّا السُّنَّةُ : فَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَحَدُكُمْ لِامْرَأَتِهِ قَدْ طَلَّقْتُكِ قَدْ رَاجَعْتُكِ لَيْسَ هَذَا طَلَاقُ الْمُسْلِمِينَ . تُطَلَّقُ الْمَرْأَةُ فِي قَبْلِ عِدَّتِهَا 113 وَرَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ : النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ ظِبْيَانَ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا . فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَةُ الطَّلَاقِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا تَعَقَّبَهُمَا مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَالطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّخْلِيَةُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَعْجَةٌ طَالِقٌ إِذَا خُلِّيَتْ مُهْمَلَةً بِغَيْرِ رَاعٍ .
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ :
﴿﴾ تَنَاذَرَهَا الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سَمِّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ تُطَلَّقُ طَوْرًا وَطَوْرًا تُرَاجَعُ ﴿﴾
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
كتاب الطلاق
الحنابلة
المغني
اقرأ →
277 كِتَابُ الطَّلَاقِ الطَّلَاقُ : حِلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ . وَهُوَ مَشْرُوعٌ ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } . وَقَالَ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى { ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ .
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ ، وَالْعِبْرَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا فَسَدَتْ الْحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَيَصِيرُ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَفْسَدَةً مَحْضَةً ، وَضَرَرًا مُجَرَّدًا بِإِلْزَامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ ، مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ ، لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ . ( 5814 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ ; وَاجِبٌ ، وَهُوَ طَلَاقُ الْمُولِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا أَبَى الْفَيْئَةَ ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ ، إذَا رَأَيَا ذَلِكَ . وَمَكْرُوهٌ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ . وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ; لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ ، وَإِعْدَامٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، فَكَانَ حَرَامًا ، كَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } . وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مُبَاحٌ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ . } وَفِي لَفْظٍ { : مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ . } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْغَضًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا ، وَلِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا . وَالثَّالِثُ ، مُبَاحٌ ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ ، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا ، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا . وَالرَّابِعُ ، مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْد تَفْرِيطِ الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا ، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهَا ، أَوْ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ عَفِيفَةٍ . قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا لِفِرَاشِهِ ، وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ; لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَاجِبٌ . وَمِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الشِّقَاقِ ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي تُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِتُزِيلَ عَنْهَا الضَّرَرَ . وَأَمَّا الْمَحْظُورُ ، فَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَكُلِّ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَيُسَمَّى طَلَاقَ الْبِدْعَةِ ; لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ خَالَفَ السُّنَّةَ ، وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنْ شَاءَ طَلَّقَ 278 قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ }
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عِنْدَ الْقُرْأَيْنِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ ; إنَّك أَخْطَأْت السُّنَّةَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ . } وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ طَوَّلَ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا ; فَإِنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَلَا الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضَ ، وَإِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَنْدَمَ ، وَتَكُونَ مُرْتَابَةً لَا تَدْرِي أَتَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ أَوْ الْأَقْرَاءِ ؟
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ ، وَالْعِبْرَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا فَسَدَتْ الْحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَيَصِيرُ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَفْسَدَةً مَحْضَةً ، وَضَرَرًا مُجَرَّدًا بِإِلْزَامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ ، مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ ، لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ . ( 5814 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ ; وَاجِبٌ ، وَهُوَ طَلَاقُ الْمُولِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا أَبَى الْفَيْئَةَ ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ ، إذَا رَأَيَا ذَلِكَ . وَمَكْرُوهٌ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ . وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ; لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ ، وَإِعْدَامٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، فَكَانَ حَرَامًا ، كَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } . وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مُبَاحٌ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ . } وَفِي لَفْظٍ { : مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ . } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْغَضًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا ، وَلِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا . وَالثَّالِثُ ، مُبَاحٌ ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ ، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا ، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا . وَالرَّابِعُ ، مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْد تَفْرِيطِ الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا ، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهَا ، أَوْ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ عَفِيفَةٍ . قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا لِفِرَاشِهِ ، وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ; لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَاجِبٌ . وَمِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الشِّقَاقِ ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي تُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِتُزِيلَ عَنْهَا الضَّرَرَ . وَأَمَّا الْمَحْظُورُ ، فَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَكُلِّ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَيُسَمَّى طَلَاقَ الْبِدْعَةِ ; لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ خَالَفَ السُّنَّةَ ، وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنْ شَاءَ طَلَّقَ 278 قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ }
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عِنْدَ الْقُرْأَيْنِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ ; إنَّك أَخْطَأْت السُّنَّةَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ . } وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ طَوَّلَ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا ; فَإِنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَلَا الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضَ ، وَإِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَنْدَمَ ، وَتَكُونَ مُرْتَابَةً لَا تَدْرِي أَتَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ أَوْ الْأَقْرَاءِ ؟
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
( كِتَابُ الطَّلَاقِ ) وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } وَقَوْلُهُ { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ } وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَالَ رُبَّمَا فَسَدَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَيُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَبَقَاؤُهُ إذَنْ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ فَشُرِعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ لِنُزُولِ الْمَفْسَدَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْهُ ( وَهُوَ ) أَيْ الطَّلَاقُ مَصْدَرُ طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا أَيْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ وَأَصْلُهُ التَّخْلِيَةُ يُقَالُ طَلَقَتْ النَّاقَةُ إذَا سَرَحَتْ حَيْثُ شَاءَتْ وَحُبِسَ فُلَانٌ فِي السِّجْنِ طَلِقًا بِغَيْرِ قَيْدٍ وَشَرْعًا ( حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْضِهِ ) أَيْ بَعْضِ قَيْدِ النِّكَاحِ إذَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً .
( وَيُبَاحُ ) الطَّلَاقُ ( عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ عِشْرَتِهَا وَكَذَا ) يُبَاحُ ( لِلتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا ) فَيُبَاحُ لَهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ .
( وَيُكْرَهُ ) الطَّلَاقُ ( مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ( وَمِنْهُ ) أَيْ الطَّلَاقِ ( مُحَرَّمٌ كَفِي الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ ) كَالنِّفَاسِ وَطُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ لِمَا يَأْتِي ( وَمِنْهُ ) أَيْ الطَّلَاقِ ( وَاجِبٌ كَطَلَاقِ الْمُولِي بَعْد التَّرَبُّصِ ) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حَلِفِهِ ( إذَا لَمْ يَفِئْ ) أَيْ يَطَأْ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ .
( وَيُسْتَحَبُّ ) الطَّلَاقُ ( لِتَفْرِيطِهَا ) أَيْ الزَّوْجَةِ ( فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا ) عَلَيْهَا أَيْ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ .
( وَ ) يُسْتَحَبُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا ( فِي الْحَالِ الَّتِي تَحُوجُ الْمَرْأَةُ إلَى الْمُخَالَفَةِ مِنْ شِقَاقٍ وَغَيْرِهِ لِيُزِيلَ الضَّرَرَ وَكَوْنُهَا غَيْرَ عَفِيفَةٍ ) قَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا فِرَاشَهُ وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ .
( وَ ) يُسْتَحَبُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا ( لِتَضَرُّرِهَا ب ) بَقَاءِ ( النِّكَاحِ ) لِبُغْضِهِ أَوْ غَيْرِهِ ( وَعَنْهُ ) أَيْ أَحْمَدَ ( يَجِبُ ) الطَّلَاقُ ( لَتَرْكِهَا عِفَّةً وَلِتَفْرِيطِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الشَّيْخُ إذَا كَانَتْ 233 تَزْنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَلْ يُفَارِقَهَا وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا انْتَهَى ) وَوَرَدَ لَعْنُ الدَّيُّوثِ وَاللَّعْنُ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَبِيرَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فَلِهَذَا وَجَبَ الْفِرَاقُ وَحَرُمَتْ الْعَشَرَةُ .
( وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذَا الْحَالِ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا ) لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَّنَةٍ } ( وَالزِّنَا لَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ) أَيْ الزَّانِيَةِ لَكِنْ يَسْتَبْرِئُهَا إذَا أَمْسَكَهَا بِالْعِدَّةِ ( وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ وَإِذَا تَرَكَ الزَّوْجُ حَقًّا لِلَّهِ ) تَعَالَى ( فَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ مِثْلُهُ ف ) يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ ( تَخْتَلِعَ ) مِنْهُ لِتَرْكِهِ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى .
( وَيُبَاحُ ) الطَّلَاقُ ( عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ عِشْرَتِهَا وَكَذَا ) يُبَاحُ ( لِلتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا ) فَيُبَاحُ لَهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ .
( وَيُكْرَهُ ) الطَّلَاقُ ( مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ( وَمِنْهُ ) أَيْ الطَّلَاقِ ( مُحَرَّمٌ كَفِي الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ ) كَالنِّفَاسِ وَطُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ لِمَا يَأْتِي ( وَمِنْهُ ) أَيْ الطَّلَاقِ ( وَاجِبٌ كَطَلَاقِ الْمُولِي بَعْد التَّرَبُّصِ ) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حَلِفِهِ ( إذَا لَمْ يَفِئْ ) أَيْ يَطَأْ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ .
( وَيُسْتَحَبُّ ) الطَّلَاقُ ( لِتَفْرِيطِهَا ) أَيْ الزَّوْجَةِ ( فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا ) عَلَيْهَا أَيْ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ .
( وَ ) يُسْتَحَبُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا ( فِي الْحَالِ الَّتِي تَحُوجُ الْمَرْأَةُ إلَى الْمُخَالَفَةِ مِنْ شِقَاقٍ وَغَيْرِهِ لِيُزِيلَ الضَّرَرَ وَكَوْنُهَا غَيْرَ عَفِيفَةٍ ) قَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا فِرَاشَهُ وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ .
( وَ ) يُسْتَحَبُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا ( لِتَضَرُّرِهَا ب ) بَقَاءِ ( النِّكَاحِ ) لِبُغْضِهِ أَوْ غَيْرِهِ ( وَعَنْهُ ) أَيْ أَحْمَدَ ( يَجِبُ ) الطَّلَاقُ ( لَتَرْكِهَا عِفَّةً وَلِتَفْرِيطِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الشَّيْخُ إذَا كَانَتْ 233 تَزْنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَلْ يُفَارِقَهَا وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا انْتَهَى ) وَوَرَدَ لَعْنُ الدَّيُّوثِ وَاللَّعْنُ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَبِيرَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فَلِهَذَا وَجَبَ الْفِرَاقُ وَحَرُمَتْ الْعَشَرَةُ .
( وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذَا الْحَالِ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا ) لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَّنَةٍ } ( وَالزِّنَا لَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ) أَيْ الزَّانِيَةِ لَكِنْ يَسْتَبْرِئُهَا إذَا أَمْسَكَهَا بِالْعِدَّةِ ( وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ وَإِذَا تَرَكَ الزَّوْجُ حَقًّا لِلَّهِ ) تَعَالَى ( فَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ مِثْلُهُ ف ) يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ ( تَخْتَلِعَ ) مِنْهُ لِتَرْكِهِ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
72 - 73 كِتَابُ الطَّلَاقِ ( وَهُوَ : لُغَةً ) التَّخْلِيَةُ .
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : أُطْلِقَتْ النَّاقَةُ فَطُلِقَتْ إذَا كَانَتْ مَشْدُودَةً فَأَزَلْت الشَّدَّ عَنْهَا وَخَلَّيْتُهَا فَشُبِّهَ مَا يَقَعُ بِالْمَرْأَةِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً الْأَسْبَابِ بِالزَّوْجِ ، ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : طَلَّقْتُ الْمَرْأَةَ فَطَلَقَتْ ، وَأَطْلَقَتْ النَّاقَةَ مِنْ الْعِقَالِ فَانْطَلَقَتْ هَذَا الْكَلَامُ الْجَيِّدُ . وَشَرْعًا ( حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ أَوْ ) حَلُّ ( بَعْضِهِ ) أَيْ : قَيْدِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ ، وَالرُّجْعَى ، ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ التَّنَافُرِ وَالتَّبَاغُضِ مَا يُوجِبُ الْخُصُومَةَ الدَّائِمَةَ ، فَلُزُومُ النِّكَاحِ إذَنْ ضَرَرٌ فِي حَقِّهَا وَمَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ بِلَا فَائِدَةٍ فَوَجَبَ إزَالَتُهَا بِالتَّرْكِ لِيَخْلُصَ كُلٌّ مِنْ الضَّرَرِ .
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : أُطْلِقَتْ النَّاقَةُ فَطُلِقَتْ إذَا كَانَتْ مَشْدُودَةً فَأَزَلْت الشَّدَّ عَنْهَا وَخَلَّيْتُهَا فَشُبِّهَ مَا يَقَعُ بِالْمَرْأَةِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً الْأَسْبَابِ بِالزَّوْجِ ، ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : طَلَّقْتُ الْمَرْأَةَ فَطَلَقَتْ ، وَأَطْلَقَتْ النَّاقَةَ مِنْ الْعِقَالِ فَانْطَلَقَتْ هَذَا الْكَلَامُ الْجَيِّدُ . وَشَرْعًا ( حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ أَوْ ) حَلُّ ( بَعْضِهِ ) أَيْ : قَيْدِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ ، وَالرُّجْعَى ، ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ التَّنَافُرِ وَالتَّبَاغُضِ مَا يُوجِبُ الْخُصُومَةَ الدَّائِمَةَ ، فَلُزُومُ النِّكَاحِ إذَنْ ضَرَرٌ فِي حَقِّهَا وَمَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ بِلَا فَائِدَةٍ فَوَجَبَ إزَالَتُهَا بِالتَّرْكِ لِيَخْلُصَ كُلٌّ مِنْ الضَّرَرِ .
الإنصاف
اقرأ →
كتاب الطلاق
الفروع
اقرأ →
363 كِتَابُ الطَّلَاقِ ، يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا ، وَعَنْهُ : لَا ، وَعَنْهُ : يُحَرَّمُ ، وَيُسْتَحَبُّ لِتَرْكِهَا صَلَاةً [ وَعِفَّةً ] وَنَحْوَهُمَا ، كَتَضَرُّرِهَا بِالنِّكَاحِ ، وَعَنْهُ : يَجِبُ لِعِفَّةٍ ، وَعَنْهُ : وَغَيْرِهَا ، فَإِنْ تَرَكَ حَقًّا لِلَّهِ فَهِيَ كَهُوَ فَتَخْتَلِعُ ، وَالزِّنَا لَا يَفْسَخُ نِكَاحًا ، نَصَّ عَلَيْهِمَا ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ يُسْكِرُ زَوْجَ أُخْتِهِ يُحَوِّلُهَا إلَيْهِ ، وَعَنْهُ أَيْضًا ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَيَجِبُ فِي الْمُوَلَّى وَالْحَكَمَيْنِ [ وَعَنْهُ : لَا ] ، وَعَنْهُ : وَلِأَمْرِ أَبِيهِ ، وَعَنْهُ : الْعَدْلِ .
وَيَجِبُ فِي الْمُوَلَّى وَالْحَكَمَيْنِ [ وَعَنْهُ : لَا ] ، وَعَنْهُ : وَلِأَمْرِ أَبِيهِ ، وَعَنْهُ : الْعَدْلِ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الطلاق
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الطلاق
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
358 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّلَاقِ 1945 - مَسْأَلَةٌ : مِنْ الطَّلَاقِ - مَنْ أَرَادَ طَلَاقَ امْرَأَةٍ لَهُ قَدْ وَطِئَهَا : لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَيْضَتِهَا ، وَلَا فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ .
359 - 363 فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ ، أَوْ فِي حَيْضَتِهَا : لَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ الطَّلَاقُ وَهِيَ امْرَأَتُهُ كَمَا كَانَتْ ، إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا كَذَلِكَ ثَالِثَةً أَوْ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً فَيَلْزَمُ . 364
فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ لَازِمٌ - كَيْفَمَا أَوْقَعَهُ - إنْ شَاءَ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ طَلْقَتَيْنِ مَجْمُوعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً .
فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ : فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا حَامِلًا وَهُوَ لَازِمٌ ، وَلَوْ إثْرَ وَطْئِهِ إيَّاهَا فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْهَا قَطُّ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَالِ طُهْرِهَا وَفِي حَالِ حَيْضَتِهَا - إنْ شَاءَ - وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا .
365 فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ قَطُّ ، أَوْ قَدْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا طَلَّقَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا فِي الْحَامِلِ مَتَى شَاءَ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَا اخْتِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ - :
أَحَدُهَا - هَلْ يَنْفُذُ الطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ بِدْعَةٌ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْ لَا يَنْفُذُ ؟
وَالثَّانِي - هَلْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ أَمْ لَا ؟
وَالثَّالِثُ - صِفَةُ طَلَاقِ السُّنَّةِ . 366
بُرْهَانُ مَا قُلْنَا : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا }
فَأَبَاحَ عَزَّ وَجَلَّ طَلَاقَ الَّتِي لَمْ تُمَسَّ بِالْوَطْءِ ، وَلَمْ يَحُدَّ فِي طَلَاقِهَا وَقْتًا ، وَلَا عَدَدًا : فَوَجَبَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حُكْمُهَا - وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، وَطَالَ مُكْثُهَا مَعَهُ ، وَلَا أَشْفَرَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا .
وَلَا تَكُونُ بِذَلِكَ مُحْصَنَةً ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُتَنَاقِضٌ شَارِعٌ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمِنْ أَيْنَ حَكَمْتُمْ بِذَلِكَ فِي الْكِتَابِيَّاتِ إذَا طَلَّقَهُنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنْتُمْ تُبْطِلُونَ الْقِيَاسَ ؟ قُلْنَا : لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ }
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } وَأَخَصُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ بِجَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ قَوْله تَعَالَى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } الْآيَةَ ، فَعَمَّ عَزَّ وَجَلَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ ، وَلَمْ يَخُصَّ مُؤْمِنَةً مِنْ كَافِرَةٍ - فَهَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ . 367
وَأَمَّا فِي الْمَوْطُوءَةِ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }
وَالْعِدَّةُ لَا تَكُونُ مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا فِي مَوْطُوءَةٍ فَعَلَّمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَيْفَ يَكُونُ طَلَاقُ الْمَوْطُوءَةِ ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، وَأَنَّ مَنْ تَعَدَّاهَا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ .
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ ظَلَمَ وَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَفِعْلُهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .
فَصَحَّ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
فَنَظَرْنَا بَيَانَ مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }
فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أَبِي نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " طَلَّقْت امْرَأَتِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا أَوْ يُمْسِكَهَا ، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ بِنُقْصَانٍ عَمَّا أَوْرَدْنَاهُ - : 368 - 369 مِنْهَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ طَلَّقْت امْرَأَتِي - وَهِيَ حَائِضٌ - فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ؟ } . 370 - 371
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَرُوِّينَا الْأَخْذَ بِهَذَا عَنْ عَطَاءٍ - قَالَ عَلِيٌّ : وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُ الْأَخْذِ بِهَا - وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ ، عَنْ قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ 372 وَأَمَّا طَلَاقُ الْحَامِلِ - فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلًى لِطَلْحَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا ، أَوْ حَامِلًا } . 373 - 374
وَأَمَّا الَّتِي لَمْ تَحِضْ - أَوْ قَدْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا - فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَجْمَلَ لَنَا إبَاحَةَ الطَّلَاقِ ، وَبَيَّنَ لَنَا طَلَاقَ الْحَامِلِ ، وَطَلَاقَ الَّتِي تَحِيضُ ، وَلَمْ يَحُدَّ لَنَا تَعَالَى فِي الَّتِي لَمْ تَحِضْ ، وَلَا فِي الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا حَدًّا ، فَوَجَبَ أَنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ طَلَاقَهَا مَتَى شَاءَ الزَّوْجُ ، إذْ لَوْ كَانَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَقْتِ طَلَاقِهَا شَرْعٌ لَبَيَّنَهُ عَلَيْنَا " .
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ إنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ كَذَلِكَ ، أَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ ، هَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ الطَّلَاقُ أَمْ لَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ادَّعَى بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهَذَا أَنَّهُ إجْمَاعٌ ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ كَذَبَ مُدَّعِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا لَكَانَ الْقَاطِعُ - عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - بِمَا لَا يَقِينَ عِنْدَهُ بِهِ ، وَلَا بَلَغَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ - : كَاذِبًا عَلَى جَمِيعِهِمْ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ وَهْبِ بْنِ نَافِعٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ 375 يَقُولُ : الطَّلَاقُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ - : وَجْهَانِ حَلَالٌ ، وَوَجْهَانِ حَرَامٌ ، فَأَمَّا الْحَلَالُ فَأَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا مُسْتَبِينًا حَمْلُهَا ، وَأَمَّا الْحَرَامُ فَأَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا أَوْ حِينَ يُجَامِعَهَا لَا يَدْرِي أَيَشْتَمِلُ الرَّحِمُ عَلَى الْوَلَدِ أَمْ لَا ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُخْبِرَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا هُوَ جَائِزٌ بِأَنَّهُ حَرَامٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، وَمَنْ خَالَفَ فَإِنَّا لَا نُطِيقُ خِلَافَهُ - : نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ نا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا ابْنُ بَشَّارٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا يُعْتَدُّ لِذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا مَا خَالَفَ وَجْهَ الطَّلَاقِ ، وَوَجْهَ الْعِدَّةِ ، وَكَانَ يَقُولُ : وَجْهُ الطَّلَاقِ : أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا عَنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، وَإِذَا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا - : 376 - 377 نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا حُمَامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ؟ قَالَ : لَا يُعْتَدُّ بِهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْعَجَبُ مِنْ جُرْأَةِ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ هَذَا - وَهُوَ لَا يَجِدُ فِيمَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ فِي إمْضَاءِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ - : كَلِمَةً عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - غَيْرَ رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَرِوَايَتَيْنِ سَاقِطَتَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .
إحْدَاهُمَا - رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَجُلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقْضِي فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِحَيْضَتِهَا تِلْكَ وَتَعْتَدُّ بَعْدَهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ .
وَالْأُخْرَى - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى ابْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ : يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَتَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ سِوَى تِلْكَ الْحَيْضَةِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : بَلْ نَحْنُ أَسْعَدُ بِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ هَاهُنَا لَوْ اسْتَجَزْنَا مَا يَسْتَجِيزُونَ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً ، وَفِي جُمْلَتِهِمْ جَمِيعُ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي ذَلِكَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ : بِدْعَةٌ نَهَى 378 عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُخَالِفَةٌ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا عِنْدَهُمْ : فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ الْحُكْمَ بِتَجْوِيزِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يُقِرُّونَ أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ ؟ أَلَيْسَ بِحُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ مُجِيزَ الْبِدْعَةِ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَاحْتَجُّوا مِنْ الْآثَارِ - : بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضٌ - فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } وَهِيَ وَاحِدَةٌ .
وَمِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ نا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ طَلَاقَهُ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَرَاجَعْتهَا وَحُسِبَتْ لَهَا التَّطْلِيقَةُ الَّتِي طَلَّقْتهَا . 379
وَبِمَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْآثَارِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْتَدَّ بِهَا . وَفِي بَعْضِهَا : فَمَهْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَرْسَلْنَا إلَى نَافِعٍ وَهُوَ يَتَرَجَّلُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ ذَاهِبًا إلَى الْمَدِينَةِ - وَنَحْنُ مَعَ عَطَاءٍ - هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ : رِوَايَةً مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى السَّاجِيِّ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ الذَّرَّاعُ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { ، مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ : أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ - فَمَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ - لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ الثِّقَاتِ إنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ الذَّرَّاعِ ، فَإِنْ كَانَ الْقُرَشِيُّ الصَّغِيرُ الْبَصْرِيُّ - وَهُوَ بِلَا شَكٍّ - فَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ - فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ ؟
وَمِنْ طَرِيقِ - عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ رَاوِي كُلَّ كِذْبَةٍ ، الْمُنْفَرِدُ بِكُلِّ طَامَّةٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِآخِرَةٍ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ - وَلَمْ يَصِحَّ قَطُّ - لَكَانَ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ " أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ " أَيْ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَكُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ }
وَلَيْسَ فِيهِ - أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِإِمْضَاءِ حُكْمِ بِدْعَتِهِ ، وَتَجْوِيزِ مَا فِي الدِّينِ ، وَهَذَا هُوَ 380 الظَّاهِرُ ، كَمَا يَقُولُونَ هُمْ فِيمَنْ بَاعَ بَيْعًا لَا يَحِلُّ ، أَوْ نَكَحَ نِكَاحًا بِبِدْعَةٍ وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ وَلَا فَرْقَ .
وَأَمَّا خَبَرُ نَافِعٍ - فَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " فَمَهْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ " فَلَا بَيَانَ فِي هَذَا اللَّفْظِ بِأَنَّ تِلْكَ الطَّلْقَةَ عُدَّتْ لَهُ طَلْقَةٌ ، وَالشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ بِلَفْظٍ لَا بَيَانَ فِيهِ ، بَلْ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الزَّجْرَ عَنْ السُّؤَالِ عَنْ هَذَا ، وَالْإِخْبَارَ بِأَنَّهُ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَظْهَرُ فِيمَا هَذِهِ صِفَتُهُ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِهِ ، وَأَنَّهُ سَقْطَةٌ مِنْ فِعْلِ فَاعِلِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمٌ نَافِذٌ يَسْتَحْمِقُ الْحَاكِمُ بِهِ وَيَعْجِزُ ، بَلْ كُلُّ حُكْمٍ فِي الدِّينِ فَالْمُنَفِّذُ لَهُ مُسْتَغْفِلٌ كَيِّسٌ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ : " مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْتَدَّ بِهَا " وَقَوْلُهُ " وَحُسِبَتْ لَهَا التَّطْلِيقَةُ الَّتِي طَلَّقْتهَا " فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَسَبَهَا تَطْلِيقَةً ، وَلَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ : أَعْتَدَّ بِهَا طَلْقَةً ، إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ نَفْسِهِ - وَلَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الَّذِي فِي آخِرِهِ { وَهِيَ وَاحِدَةٌ } فَهَذِهِ لَفْظَةٌ أَتَى بِهَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ 381 وَحْدَهُ ; وَلَا نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ; وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ بِالظُّنُونِ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ يَقِينًا أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ مَعْنَاهُ - : وَهِيَ وَاحِدَةٌ أَخْطَأَ فِيهَا ابْنُ عُمَرَ ، أَوْ وَهِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَازِمَةٌ لِكُلِّ مُطَلِّقٍ .
وَالظَّاهِرُ - أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ .
وَيَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ الْمُسْنَدُ الْبَيِّنُ الثَّابِتُ ، الَّذِي رُوِّينَاهُ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ : نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عَزَّةَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ - وَأَنَا أَسْمَعُ - كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا ؟ وَقَالَ : إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ إذَا شَاءَ أَوْ لِيُمْسِكْ وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ " .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا مِمَّا قُرِئَ ثُمَّ رُفِعَتْ لَفْظَةُ " فِي قُبُلِ " وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { لِعِدَّتِهِنَّ } 382 وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ - فَذَكَرَهُ نَصًّا - وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، لَا يَحْتَمِلُ التَّوْجِيهَاتِ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِمُرَاجَعَتِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا طَلْقَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا ؟ فَقُلْنَا : لَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتُمْ ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - بِلَا شَكٍّ - إذْ طَلَّقَهَا حَائِضًا فَقَدْ اجْتَنَبَهَا ، فَإِنَّمَا أَمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرَفْضِ فِرَاقِهِ لَهَا وَأَنْ يُرَاجِعَهَا كَمَا كَانَتْ قَبْلُ ، بِلَا شَكٍّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْوَرَعُ إلْزَامُهُ تِلْكَ الطَّلْقَةَ إذْ قَدْ يُطَلِّقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلْقَتَيْنِ فَتَبْقَى عِنْدَهُ ، وَلَعَلَّهَا مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا ؟ .
فَقُلْنَا : بَلْ هَذَا ضِدُّ الْوَرَعِ ، إذْ تُبِيحُونَ فَرْجَهَا لِأَجْنَبِيٍّ بِلَا بَيَانٍ ، وَإِنَّمَا الْوَرَعُ أَنْ لَا تُحَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ امْرَأَتُهُ الَّتِي نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَهَا لَهُ وَحَرَّمَهَا عَلَى مَنْ سِوَاهُ إلَّا بِيَقِينٍ ، وَأَمَّا بِالظُّنُونِ وَالْمُحْتَمَلَاتِ فَلَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ إنْ وَجَدُوا فِي الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مَا يَشْغَبُونَ بِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، فَأَيَّ شَيْءٍ وَجَدُوا فِي طَلَاقِهِ إيَّاهَا فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ ؟ فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ؟ قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ مِنْ الْقِيَاسِ ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ، لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ : طُهْرٌ عَلَى حَيْضٍ ، فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ؟ 383 فَإِنْ قَالُوا : إنَّكُمْ تُلْزِمُونَهُ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ ، وَفِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ إذَا كَانَ طَلَاقًا ثَالِثًا أَوْ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ ؟
قُلْنَا : نَعَمْ ، لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } لَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فِيمَا كَانَ مِنْ الطَّلَاقِ دُونَ الثَّلَاثِ - وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَفْتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ ، وَلَمْ يَأْمُرْ قَطُّ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، وَلَا فِيمَنْ طَلَّقَ ثَالِثَةً ، أَوْ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا عِدَّةُ طَلَاقٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يُطَلِّقَ لَهَا ، كَمَا بَيَّنَّا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وقَوْله تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وَلَيْسَ هَذَا فِي طَلَاقِ الثَّلَاثِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً وَهِيَ حَائِضٌ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَأَنْت طَلَّقَتْ امْرَأَتَك مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَك بِذَلِكَ ، وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك ، وَعَصَيْت رَبَّك فِيمَا أَمَرَك بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِك ) . 384
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : قَدْ يُمْكِنُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِالْمَعْصِيَةِ مَنْ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ دُونَ الثَّلَاثِ .
359 - 363 فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ ، أَوْ فِي حَيْضَتِهَا : لَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ الطَّلَاقُ وَهِيَ امْرَأَتُهُ كَمَا كَانَتْ ، إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا كَذَلِكَ ثَالِثَةً أَوْ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً فَيَلْزَمُ . 364
فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ لَازِمٌ - كَيْفَمَا أَوْقَعَهُ - إنْ شَاءَ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ طَلْقَتَيْنِ مَجْمُوعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً .
فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ : فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا حَامِلًا وَهُوَ لَازِمٌ ، وَلَوْ إثْرَ وَطْئِهِ إيَّاهَا فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْهَا قَطُّ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَالِ طُهْرِهَا وَفِي حَالِ حَيْضَتِهَا - إنْ شَاءَ - وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا .
365 فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ قَطُّ ، أَوْ قَدْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا طَلَّقَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا فِي الْحَامِلِ مَتَى شَاءَ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَا اخْتِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ - :
أَحَدُهَا - هَلْ يَنْفُذُ الطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ بِدْعَةٌ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْ لَا يَنْفُذُ ؟
وَالثَّانِي - هَلْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ أَمْ لَا ؟
وَالثَّالِثُ - صِفَةُ طَلَاقِ السُّنَّةِ . 366
بُرْهَانُ مَا قُلْنَا : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا }
فَأَبَاحَ عَزَّ وَجَلَّ طَلَاقَ الَّتِي لَمْ تُمَسَّ بِالْوَطْءِ ، وَلَمْ يَحُدَّ فِي طَلَاقِهَا وَقْتًا ، وَلَا عَدَدًا : فَوَجَبَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حُكْمُهَا - وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، وَطَالَ مُكْثُهَا مَعَهُ ، وَلَا أَشْفَرَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا .
وَلَا تَكُونُ بِذَلِكَ مُحْصَنَةً ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُتَنَاقِضٌ شَارِعٌ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمِنْ أَيْنَ حَكَمْتُمْ بِذَلِكَ فِي الْكِتَابِيَّاتِ إذَا طَلَّقَهُنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنْتُمْ تُبْطِلُونَ الْقِيَاسَ ؟ قُلْنَا : لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ }
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } وَأَخَصُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ بِجَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ قَوْله تَعَالَى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } الْآيَةَ ، فَعَمَّ عَزَّ وَجَلَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ ، وَلَمْ يَخُصَّ مُؤْمِنَةً مِنْ كَافِرَةٍ - فَهَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ . 367
وَأَمَّا فِي الْمَوْطُوءَةِ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }
وَالْعِدَّةُ لَا تَكُونُ مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا فِي مَوْطُوءَةٍ فَعَلَّمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَيْفَ يَكُونُ طَلَاقُ الْمَوْطُوءَةِ ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، وَأَنَّ مَنْ تَعَدَّاهَا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ .
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ ظَلَمَ وَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَفِعْلُهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .
فَصَحَّ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
فَنَظَرْنَا بَيَانَ مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }
فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أَبِي نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " طَلَّقْت امْرَأَتِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا أَوْ يُمْسِكَهَا ، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ بِنُقْصَانٍ عَمَّا أَوْرَدْنَاهُ - : 368 - 369 مِنْهَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ طَلَّقْت امْرَأَتِي - وَهِيَ حَائِضٌ - فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ؟ } . 370 - 371
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَرُوِّينَا الْأَخْذَ بِهَذَا عَنْ عَطَاءٍ - قَالَ عَلِيٌّ : وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُ الْأَخْذِ بِهَا - وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ ، عَنْ قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ 372 وَأَمَّا طَلَاقُ الْحَامِلِ - فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلًى لِطَلْحَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا ، أَوْ حَامِلًا } . 373 - 374
وَأَمَّا الَّتِي لَمْ تَحِضْ - أَوْ قَدْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا - فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَجْمَلَ لَنَا إبَاحَةَ الطَّلَاقِ ، وَبَيَّنَ لَنَا طَلَاقَ الْحَامِلِ ، وَطَلَاقَ الَّتِي تَحِيضُ ، وَلَمْ يَحُدَّ لَنَا تَعَالَى فِي الَّتِي لَمْ تَحِضْ ، وَلَا فِي الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا حَدًّا ، فَوَجَبَ أَنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ طَلَاقَهَا مَتَى شَاءَ الزَّوْجُ ، إذْ لَوْ كَانَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَقْتِ طَلَاقِهَا شَرْعٌ لَبَيَّنَهُ عَلَيْنَا " .
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ إنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ كَذَلِكَ ، أَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ ، هَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ الطَّلَاقُ أَمْ لَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ادَّعَى بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهَذَا أَنَّهُ إجْمَاعٌ ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ كَذَبَ مُدَّعِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا لَكَانَ الْقَاطِعُ - عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - بِمَا لَا يَقِينَ عِنْدَهُ بِهِ ، وَلَا بَلَغَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ - : كَاذِبًا عَلَى جَمِيعِهِمْ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ وَهْبِ بْنِ نَافِعٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ 375 يَقُولُ : الطَّلَاقُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ - : وَجْهَانِ حَلَالٌ ، وَوَجْهَانِ حَرَامٌ ، فَأَمَّا الْحَلَالُ فَأَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا مُسْتَبِينًا حَمْلُهَا ، وَأَمَّا الْحَرَامُ فَأَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا أَوْ حِينَ يُجَامِعَهَا لَا يَدْرِي أَيَشْتَمِلُ الرَّحِمُ عَلَى الْوَلَدِ أَمْ لَا ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُخْبِرَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا هُوَ جَائِزٌ بِأَنَّهُ حَرَامٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، وَمَنْ خَالَفَ فَإِنَّا لَا نُطِيقُ خِلَافَهُ - : نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ نا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا ابْنُ بَشَّارٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا يُعْتَدُّ لِذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا مَا خَالَفَ وَجْهَ الطَّلَاقِ ، وَوَجْهَ الْعِدَّةِ ، وَكَانَ يَقُولُ : وَجْهُ الطَّلَاقِ : أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا عَنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، وَإِذَا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا - : 376 - 377 نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا حُمَامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ؟ قَالَ : لَا يُعْتَدُّ بِهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْعَجَبُ مِنْ جُرْأَةِ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ هَذَا - وَهُوَ لَا يَجِدُ فِيمَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ فِي إمْضَاءِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ - : كَلِمَةً عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - غَيْرَ رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَرِوَايَتَيْنِ سَاقِطَتَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .
إحْدَاهُمَا - رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَجُلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقْضِي فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِحَيْضَتِهَا تِلْكَ وَتَعْتَدُّ بَعْدَهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ .
وَالْأُخْرَى - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى ابْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ : يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَتَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ سِوَى تِلْكَ الْحَيْضَةِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : بَلْ نَحْنُ أَسْعَدُ بِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ هَاهُنَا لَوْ اسْتَجَزْنَا مَا يَسْتَجِيزُونَ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً ، وَفِي جُمْلَتِهِمْ جَمِيعُ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي ذَلِكَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ : بِدْعَةٌ نَهَى 378 عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُخَالِفَةٌ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا عِنْدَهُمْ : فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ الْحُكْمَ بِتَجْوِيزِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يُقِرُّونَ أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ ؟ أَلَيْسَ بِحُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ مُجِيزَ الْبِدْعَةِ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَاحْتَجُّوا مِنْ الْآثَارِ - : بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضٌ - فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } وَهِيَ وَاحِدَةٌ .
وَمِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ نا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ طَلَاقَهُ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَرَاجَعْتهَا وَحُسِبَتْ لَهَا التَّطْلِيقَةُ الَّتِي طَلَّقْتهَا . 379
وَبِمَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْآثَارِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْتَدَّ بِهَا . وَفِي بَعْضِهَا : فَمَهْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَرْسَلْنَا إلَى نَافِعٍ وَهُوَ يَتَرَجَّلُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ ذَاهِبًا إلَى الْمَدِينَةِ - وَنَحْنُ مَعَ عَطَاءٍ - هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ : رِوَايَةً مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى السَّاجِيِّ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ الذَّرَّاعُ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { ، مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ : أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ - فَمَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ - لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ الثِّقَاتِ إنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ الذَّرَّاعِ ، فَإِنْ كَانَ الْقُرَشِيُّ الصَّغِيرُ الْبَصْرِيُّ - وَهُوَ بِلَا شَكٍّ - فَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ - فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ ؟
وَمِنْ طَرِيقِ - عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ رَاوِي كُلَّ كِذْبَةٍ ، الْمُنْفَرِدُ بِكُلِّ طَامَّةٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِآخِرَةٍ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ - وَلَمْ يَصِحَّ قَطُّ - لَكَانَ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ " أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ " أَيْ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَكُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ }
وَلَيْسَ فِيهِ - أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِإِمْضَاءِ حُكْمِ بِدْعَتِهِ ، وَتَجْوِيزِ مَا فِي الدِّينِ ، وَهَذَا هُوَ 380 الظَّاهِرُ ، كَمَا يَقُولُونَ هُمْ فِيمَنْ بَاعَ بَيْعًا لَا يَحِلُّ ، أَوْ نَكَحَ نِكَاحًا بِبِدْعَةٍ وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ وَلَا فَرْقَ .
وَأَمَّا خَبَرُ نَافِعٍ - فَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " فَمَهْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ " فَلَا بَيَانَ فِي هَذَا اللَّفْظِ بِأَنَّ تِلْكَ الطَّلْقَةَ عُدَّتْ لَهُ طَلْقَةٌ ، وَالشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ بِلَفْظٍ لَا بَيَانَ فِيهِ ، بَلْ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الزَّجْرَ عَنْ السُّؤَالِ عَنْ هَذَا ، وَالْإِخْبَارَ بِأَنَّهُ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَظْهَرُ فِيمَا هَذِهِ صِفَتُهُ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِهِ ، وَأَنَّهُ سَقْطَةٌ مِنْ فِعْلِ فَاعِلِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمٌ نَافِذٌ يَسْتَحْمِقُ الْحَاكِمُ بِهِ وَيَعْجِزُ ، بَلْ كُلُّ حُكْمٍ فِي الدِّينِ فَالْمُنَفِّذُ لَهُ مُسْتَغْفِلٌ كَيِّسٌ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ : " مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْتَدَّ بِهَا " وَقَوْلُهُ " وَحُسِبَتْ لَهَا التَّطْلِيقَةُ الَّتِي طَلَّقْتهَا " فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَسَبَهَا تَطْلِيقَةً ، وَلَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ : أَعْتَدَّ بِهَا طَلْقَةً ، إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ نَفْسِهِ - وَلَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الَّذِي فِي آخِرِهِ { وَهِيَ وَاحِدَةٌ } فَهَذِهِ لَفْظَةٌ أَتَى بِهَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ 381 وَحْدَهُ ; وَلَا نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ; وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ بِالظُّنُونِ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ يَقِينًا أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ مَعْنَاهُ - : وَهِيَ وَاحِدَةٌ أَخْطَأَ فِيهَا ابْنُ عُمَرَ ، أَوْ وَهِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَازِمَةٌ لِكُلِّ مُطَلِّقٍ .
وَالظَّاهِرُ - أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ .
وَيَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ الْمُسْنَدُ الْبَيِّنُ الثَّابِتُ ، الَّذِي رُوِّينَاهُ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ : نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عَزَّةَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ - وَأَنَا أَسْمَعُ - كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا ؟ وَقَالَ : إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ إذَا شَاءَ أَوْ لِيُمْسِكْ وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ " .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا مِمَّا قُرِئَ ثُمَّ رُفِعَتْ لَفْظَةُ " فِي قُبُلِ " وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { لِعِدَّتِهِنَّ } 382 وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ - فَذَكَرَهُ نَصًّا - وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، لَا يَحْتَمِلُ التَّوْجِيهَاتِ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِمُرَاجَعَتِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا طَلْقَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا ؟ فَقُلْنَا : لَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتُمْ ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - بِلَا شَكٍّ - إذْ طَلَّقَهَا حَائِضًا فَقَدْ اجْتَنَبَهَا ، فَإِنَّمَا أَمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرَفْضِ فِرَاقِهِ لَهَا وَأَنْ يُرَاجِعَهَا كَمَا كَانَتْ قَبْلُ ، بِلَا شَكٍّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْوَرَعُ إلْزَامُهُ تِلْكَ الطَّلْقَةَ إذْ قَدْ يُطَلِّقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلْقَتَيْنِ فَتَبْقَى عِنْدَهُ ، وَلَعَلَّهَا مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا ؟ .
فَقُلْنَا : بَلْ هَذَا ضِدُّ الْوَرَعِ ، إذْ تُبِيحُونَ فَرْجَهَا لِأَجْنَبِيٍّ بِلَا بَيَانٍ ، وَإِنَّمَا الْوَرَعُ أَنْ لَا تُحَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ امْرَأَتُهُ الَّتِي نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَهَا لَهُ وَحَرَّمَهَا عَلَى مَنْ سِوَاهُ إلَّا بِيَقِينٍ ، وَأَمَّا بِالظُّنُونِ وَالْمُحْتَمَلَاتِ فَلَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ إنْ وَجَدُوا فِي الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مَا يَشْغَبُونَ بِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، فَأَيَّ شَيْءٍ وَجَدُوا فِي طَلَاقِهِ إيَّاهَا فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيهِ ؟ فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ؟ قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ مِنْ الْقِيَاسِ ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ، لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ : طُهْرٌ عَلَى حَيْضٍ ، فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ؟ 383 فَإِنْ قَالُوا : إنَّكُمْ تُلْزِمُونَهُ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ ، وَفِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ إذَا كَانَ طَلَاقًا ثَالِثًا أَوْ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ ؟
قُلْنَا : نَعَمْ ، لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } لَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فِيمَا كَانَ مِنْ الطَّلَاقِ دُونَ الثَّلَاثِ - وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَفْتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ ، وَلَمْ يَأْمُرْ قَطُّ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، وَلَا فِيمَنْ طَلَّقَ ثَالِثَةً ، أَوْ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا عِدَّةُ طَلَاقٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يُطَلِّقَ لَهَا ، كَمَا بَيَّنَّا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وقَوْله تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وَلَيْسَ هَذَا فِي طَلَاقِ الثَّلَاثِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً وَهِيَ حَائِضٌ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَأَنْت طَلَّقَتْ امْرَأَتَك مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَك بِذَلِكَ ، وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك ، وَعَصَيْت رَبَّك فِيمَا أَمَرَك بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِك ) . 384
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : قَدْ يُمْكِنُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِالْمَعْصِيَةِ مَنْ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ دُونَ الثَّلَاثِ .
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب الطلاق