263 · ص71 · ج1
وكان دائم البشر لي، جميل الودّ، وكان من عقله الوافر وفضله السافر أنه يصحب المتعاديين، وكلّ منهما يعتقد صحّة ودّه، ويبث سرّه إليه.
وكان العلاّمة تقيّ الدين بن تيمية يودّه ويصحبه، والشيخ العلاّمة كمال الدين بن الزملكاني يصحبه ويودّه ويثني عليه.
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله يرثيه:
تراهم بالذي ألقاه قد علموا … شطّ المزار، وبان البان والعلم
لهفي عليهم وقد شدّوا ركائبهم … عن الديار ولا يثني بهم ندم
قد [كان] يدنيهم طيف ألمّ بنا … فالآن لا الطيف يدنيهم ولا الحلم
الله أكبر كم أجرى فراقهم … دمعا، وعاد بمن لا عاد وهو دم
أمّوا الحجاز فما سارت مطيّتهم … حتى استقلّت دموعا قدّمت لهم
وأحرموا لطواف البيت لا حرموا … من لذّة العيش طول الدّهر لا حرموا
زاروا النّبيّ وساروا نحو موقفهم … حتّى إذا فارقوا مطلوبهم جثموا
يا سائرين إلى أرض الحجاز لقد … خلّفتم في حشاي النار تضطرم
هل منشد فيكم أو ناشد طلبا … أضللته وادلهمّت بعده الظلم
قد كان في قاسم من غيره عوض … فاليوم لا قاسم فينا ولا قسم
من لو أتى مكة مالت أباطحها … به سرورا، وجادت أفقها الدّيم
أقسمت منذ زمان ما رأى أحد … لقاسم شبها في الأرض لو قسموا
هذا الذي يشدّ المختار هجرته … «والبيت يعرفه والحلّ والحرم»
ما كان ينكره ركن الحطيم له … لو أخّر العمر حتّى جاء يستلم
له إليه وفادات تقرّ بها … جبال مكة والبطحاء والأكم
محدّث الشّام صدقا بل مؤرّخه … جرى بهذا وذا فيما مضى القلم
يا طالب العلم في الفنّين مجتهدا … في ذا وهذا ينادي المفرد العلم
يروى حديث العوالي عن براعته … وماله طاعن فيها ومتّهم
قد كان يدأب في نفع الأنام ولا … يردّه ضجر منه ولا سأم
وحقّق النقد حتى بان بهرجه … وصحّح النّقل حتى ما به سقم
وعرّف الناس كيف الطّرق أجمعها … إلى النبي فما حاروا ولا وهموا
وعرّف الناس في التاريخ ما جهلوا … وبعض ما جهلوا أضعاف ما علموا
يريك تاريخه مهما أردت به … كأنّ تاريخه الآفاق والأمم
ما فاته فيه ذو ذكر أخلّ به … ولو يروم لعادت عاد أو إرم