389 · ص391
وكان الْحَسَن الْبَصْرِيّ تقلد القضاء، فَقَالَ: لا يقربني عونٌ ولا منكبٌ، ولا شرطِيٌّ، والمنكبُ: عون العَريف، وقيل: المنكبُ: قومُ العريف. فازدحم الناس على الحسن فقال: لا بد للناس من وَزَعةٍ. وبعث إلى السُّلطان حَتَّى أَمدَّه بالأَعوانِ. ومَن قَالَ: أنّ رجلًا شتم أبا بَكْر رحمة اللَّه عَلَيْهِ فِي وجهه فَلَطَمَهُ رجلٌ من الأنصارِ، فقالوا لأبي بَكْرٍ: اقتصَّ لنا، فَقَالَ: إني لا اقتَصُّ مِمَّن وَزَعَةِ اللَّه. وشبيهةٌ بهذا أنَ عليًّا صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ لَطَمَ رَجُلًا فِشَجَّهُ فَشَكَا عليا إلى عُمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فدعا عليًّا، وقال: ما أردت من هَذَا، فَقَالَ: إنّي رأيته يُسارُّ امرأةَ خاصٍّ من خَوَاصِ اللَّه. فَقَالَ عُمَر: إنَّ لِلهِ عُيُوْنًا فِي أرضه، وإن عليا عين الله في أرضه، أي: خاصَّتُهُ. وفي خبر آخر قَالَ: لِمَ لَطَمْتَهُ يا أَبا الْحَسَن؟ قَالَ رأيتُه ينظر إلى حُرَمِ المُسلمين فِي الطَّوافِ. فَقَالَ للمَلطُوْمِ:
وَقَعَتْ عليك عينٌ من عيون اللَّه تَعَالى. قَالَ ثعلبٌ: معناه خاصٌّ وأمَّا قولُه تَعَالى {أَوْزِعْنيْ أَنْ أَشْكُرَ} فمعناه ألْهِمْنِي. وأمَّا قولُ الشاعر:
فإني بها يا ذا المَعَارِجِ مُوْزَعُ
فمعناه: مُولَعٌ. وَيُقَال: أحكمت الرَّجُلَ بمعنى وَزَعْتُهُ، ومنه حكمة الدَّابة لأنَّها تمنعها وتحبسها، ويُنشَده:
وإنَّكُمَا إنْ تُحْكِمَانِيْ وتُرْسِلَا ... عَلَيَّ غُوَاةَ الناس أمت وتضلعا
قوله تعالى: {وما تخرج مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا}.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «ثَمَراتٍ» عَلَى الجماعة، واحتجُّوا بأنه فِي المَصاحف بالتاءِ. وقرأ الباقون: «من ثَمَرَةٍ» عَلَى التَّوحيد، واحتجوا بأنّه فِي مُصحف عبدِ اللَّه مكتوب بالهاءِ، لأنَّ الثمرة تؤدي عنْ الثمار؛ لأنَّه الجنس. والأَكمامُ:
واحدها كمٌّ فِي قول الفَرَّاء، وكمةٌ فِي قولِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وهو الكفرى، والجفرى، ويجوز أن يكون كمَّةٌ واحدَ الكُم، والَأكمامُ جمعُ الجَمْعِ.
وقوله: {ء أعجمي وعَرَبِيٌّ}.
فِيهِ أربعُ قراءاتٍ:
قرأ أهلُ الكوفةِ: «أأعجمي»» بهمزتين.
الأولى ألف الإنكار والتَّوبيخ عَلَى لفظِ الاستفهامِ.
والثانيةُ ألفُ القطع، لأنَّه يُقال: رجلٌ عَجَمِيُّ إذا كان لا يُفصح، وإن كان عربي
390 · ص392
الأصل، ورجل أَعْجَمِيٌّ إذا كان منسوبًا إلى العجم وإن كان فصيحًا.
وقرأ الباقون: «آعْجَمِيٌّ» بهمزةٍ، ومدّةٍ، لأنهم كرِهُوا الجمعَ بين الهمزتين فليَّنُوا الثانية.
وقرأ الْحَسَنُ: «أَعْجَمِيٌّ» بغيرِ استفهامٍ، وأسكن العَين، ومعناه: هَلَّا كان عربيًا والقرآن أعجميًا، والرَّسولُ أعجميًا، والقرآن عربيًا. فَقَالَ اللَّه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} وعَمًى عَلَى الَّذِيِْنَ كَفَرُواْ، لأنَّهم صُرِفُوا عَنْهُ بعد وضوحِ الحُجَّةٍ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قَرَأَ بَعْضُهُمْ «أَعَجَمِيُّ» بفتح العين، فهذه ألفُ الاستفهامِ، ودخلت عَلَى عَجَمِيّ. وقد فسرتُ لَكَ فرقَ ما بين عَجَمِيّ وأَعْجَمِيّ. قَالَ بعضُهم رجلٌ أَعجم بمعنى: أعْجَمِيِّ، واحتجُّوا بما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ عُبَيْدٍ أن الْحَسَن قرآ: «وَلَوْ أنزلناه على بعض الأعجميين» بتشديد الياءِ، إلَّا أن تقولَ: العَجَمُ جمعٌ واحدُهم عَجَمِيٌّ فيكون الفرق بين الواحد والجمع حذف الياء كقولك: عربيٌّ، وعَرَبٌ، ورُوْمِيٌّ ورومٌ وهذا قد أحكمناه فِي كتاب السبعة.
وقولُه تعالى: {أرنا الذين}.
قرأ ابن كثير وأبو بكر، عن عاصم: «أرنا اللذين» بجزم الراء.
وقرأ الباقون: «أرِنَا» بجرِّ الرَّاءِ.
غيرَ أن أبا عَمْرٍو كان يَختلس الكسرةَ. وقد ذكرنا علَّة ذَلِكَ فيما سلف.
فَقَالَ ابنُ خالوية: «أَضَلَّانَا من الجِنّ والإِنْسَ» من الجن: إبليس، ومن الإنس قابيل بْن آدم قاتل هابيل.
وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ يَقُولُ: قابييل بياءين.
وقوله تعالى: {ونأى بجانبه} على وزن نعى، قرأ ابْنُ عامر وابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم - «ونأى» على وزن «ونعى» وقرأ الكِسَائِيّ: «وَنِئِى» عَلَى وزن ونِعِى.
واختلف عن حمزة فروي عَنْهُ بفَتْحِ النُّون وكسرِ الهمزةِ، وقد ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي سبحان.