431 · ص433
وقولُه تَعَالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ}.
قرأَ ابنُ كثيرٍ وحده: «نَحْنُ قَدَرْنَا» خَفِيْفَةً.
وقرأ الباقون: «قَدَّرْنَا» مُشَدَّدًا، وهُما لُغَتَانِ قَدَرْتُ وقَدَّرْتُ، وقد ذكرت الفرق فيما سَلَفَ.
وقولُه تَعَالى: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ}.
أي: لو أردنا أن نخلقَ خلقًا غيرَكُم لم يَسبقنا سابقة ولا يفوتنا ذَلِكَ ونُنْشِئَكُمْ فيما لا تعلمون، أي: أردنا أن نجعل منكم القِرَدَةَ والخَنازِيرَ، ولم يَفُتْنَا ذَلِكَ، ولا يَسبقنا سابقٌ.
وقولُه تَعَالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «مَوقِعِ» موقع عَلَى التَّوحيد.
وقرأ الباقون بالجمع، وهو الاختيار؛ لأن مواقع النجوم هاهنا يعني بها ونُجوم القُرآن ونُزلها من السَّماء الدنيا على محمد - صلى الله عليه وسلم - وكان ينزل نجومًا.
قولُه تَعَالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنكم تكذبون}.
والباقون: «تُكَذِّبُوْنَ» مشدًّدا ومعناه: إنَّ اللَّه تَعَالى كَانَ إذا أغاثهم ومطرهم وكثر خِصبهم نَسبوا ذَلِكَ المَطَرُ إلى الأنواء من النُّجوم فيقولون: مطرنا بنوء المحدج ونوء السماكين، ونحو ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي: شُكرَ رِزْقِكُمْ.
حَدَّثَنَا الشَّيخان الصَّالحان عَبْدُ الرَّحْمَنُ السَرَّاجُ وابنُ مُخْلِدٍ العَطَّارُ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن يزيد، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيينة، عنْ عَمْرو بْن عتاب بْن جُبَيْر، عنْ أَبِي سَعِيد الخُدري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو أَمسك اللَّه القَطْرَ عن الناس سبع سنين ثم أمطر عليهم لَأصبحت طائفةٌ منهم بْه كافرين يقولون: «مُطِرْنا بنوءِ المحدج».
وقَرأ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أنَّكُمْ تُكَذِّبُوْنَ.»
432 · ص434
سورة الحديد
قولُه تَعَالى: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ}.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وحده: «وَقَدْ أُخِذَ مِيْثَاقُكُمْ» بالرَّفع ما لم يُسمَّ فاعِلُه.
والباقون: «أَخَذَ مِيْثَاقَكُمْ» بالنَّصب. وأخذُ الميثاق عَلَى العِباد قبل تَوجيهِ الرُّسل هُوَ أنَّ اللَّه تَعَالى أَخرج الذُّرية من صُلبِ آدمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فأَجابوه بعقلٍ رَكَّبه فِيهم {قَالُوا بلى}.
وقوله تعالى: «وَكُلُّ» بالرَّفعِ جعله ابتداءً وعدّى الفعل إلى ضميرٍ، والتَّقدير:
وكلٌّ وعدَه اللهُ، كما قَالَ الرّاجز:
قَدْ أَصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ
أراد: لم أَصنَعْهُ. فَخَزَلَ الهاءَ.
والباقون: «وكلًّا» بالنَّصب: مفعولٌ، لأنَّ قولك كلًّا وعدتُ، ووعدتُ كلًّا، وضربتُ زيدًا، وزيدا سواءٌ فاستعمال اللّفظ أَحرى من اتباعِ المُضمرات، والمَعاني.
وقولُه تَعَالى: {فَيُضَاعِفَهُ}.
قرأ ابْنُ كثير وابن عامرٍ «فَيُضَعِّفَهُ» بغير ألفٍ غير أن ابْنُ كثير يرفع وابن عامرِ ينصب.
وقرأ الباقون «فَيُضَاعِفَهُ» بألفٍ. وَقَدْ ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي البقرة.
وقولُه تَعَالى: {لِلَّذِيْنَ آمَنُواْ انْظُرُونَا}.
قرأ حمزة وحده: «أَنْظِرُونَا» بقطعِ الألفِ وفَتحِها.
وقرأ الباقون بوصلِ الألفِ، فمعنى قراءةِ حمزةَ: أَمْهِلُونا أَخرونا، قَالَ الشَّاعِر:
أبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأنَظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا
والباقون جعلوه من الانتظار كقولِهِ: «غَيرَ نَاظِرِيْنَ» ويُقال نَظَرْتُهُ معنى انْتَظَرْتُهُ.
ونظرتُ إِلَيْه بعيني. وَقَدْ جاء: نظرته بعيني. وهذا حرفٌ غريبٌ، قَالَ فُضالة بْن عَبْد اللَّه الغَنًَوِيُّ:
خَرجتْ سَوَاسِيةً مساوٍ أمُّها ... خلوًا تَطِيرُ كَمَا تَطِيرُ السَّوذَقُ
فأبيتُ أنظرها فما أَبْصرَتْهَا ... مِما ترفَّعُ فِي السَّرَابِ وتَفْرَقُ
أراد أبصرها، وفي هَذَا البيتِ شاهدٌ آخرُ، أنَّ السَّواسيةَ المُستوياتُ فِي الخيرِ ردًا