467 · ص469
ومن سورة المزمل
قولُه تَعَالى: {أشدُّ وَطْئًا}.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «وِطَاءً» بكسرِ الواو على فعال جعلاه مصدرا لواطأ يواطئ مواطأة ووطاء، ومعناه: يواطئ السّمع والقَلب؛ لأنَّ الصلاة باللَّيل وإن كانت أشدُّ عَلَى المؤمن من صلاةِ النَّهار، وما يغشاه من النُّعاس فهو أقومُ قيلًا.
وقرأ الباقون: «وَطًا» عَلَى فعل بفتح الواو.
وروى الوَقَّاصِيّ، عنْ الزُّهْرِيّ: «أشدُّ وِطْأً» بكسر الواو وإسكان الطاء من غيرِ مدّ.
حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصر، عنْ أَبِيهِ، عنْ هارون، قَالَ: حَدَّثَنَا يونس، عنْ ابْنُ مُليكة {ناشِئَةَ اللَّيْلِ} قَالَ: بعد عشاءِ الآخرةِ وقيل: «ناشئةَ اللَّيل» من أولها إلى آخرها وقيل: من أول اللَّيل، وقيل: ساعةً من اللَّيل. والاختيار أن الناشئة: ما أحياه المُصَلِّى من بعد نومه {إنَّ لَكَ فِيْ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيْلًا} أي: ما تَقضي حوائجك.
وقرأ يَحيى بْن يَعمر: «سَبْخًا» بالخاء، وكذلك الضَّحاك. ومعنى السَّبخ:
التَّوْسِعَةُ، يُقال: سَبَّخْتُ القُطْنَ: إِذَا وسَّعته للنَّدف. وَيُقَالُ لما يَتَطايرُ من القُطنِ عندَ الندف: سبائخ وأَنشدَ:
فَأَرْسَلُوْهُنَّ يَذْرَيْنَ التُّرابَ كَمَا ... يُذْرِيْ سَبَائِخَ قُطْنٍ نَدْفَ أَوْتَارِ
وقال اللَّحْيَانِيُّ فِيْ نَوَادِرِهِ «إنَّ لَكَ فِيْ النَّهَارِ سَبْخًا» أي: نومًا، وسَبْحًا بالحاء أي: راحةً.
وقال آخرون: هما بمعنًى. ومن قَرَأَ: «وطأ» فمعناه أشدُّ مكابرةً من ذَلِكَ قولُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم أُشدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر».
فإن سَأَلَ سائلٌ فَقَالَ: ما معنى {إنَّا سَنُلْقِيْ عَلَيْكَ قَولًا ثَقِيلًا}؟
فقلُ: معناه: ثقيلًا فِيْ الَأجر ليس بخفيفٍ، ولا سفساف.
وهذه السُّورة من أوائل ما نَزَل عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أنَّ الناموس الَأكبر يعني جبريل عَلَيْهِ السَّلام لما لقي رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: {اقْرَأْ
468 · ص470
باْسمِ رَبِّكَ} ففزع لذلك فزعًا شديدًا. فصار إلى بيته، وَقَدْ اقشَعر وقال: زَمِّلُوني أي: دَثِّرُوني وغَطُّوني - يُقال: تَزَمَّلَ الرَّجُلُ فِيْ ثيابه، وتَزَمَّلَ للنَّوْمِ فِيْ لحافه - فجاءَه جبريل عَلَيْهِ السَّلام، وقال: {يا أيُّها المُزَّمِّلُ} بتشديد الزّاي والميم، لا يجوز لأحد أن يقرأ بغيره ومعناه: المتزمل فأدغمت التاء في الزاي. فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
وكذلك هِيَ قراءةُ ابْنِ مَسْعُود: «يا أيُّها المُتزمل» ومثله {يا أيُّها المُدَّثِّرُ} والأصل: المُتَدَثِّرُ. وإنّما شُدِّدت الميم والتَّاء لأنَّهما عينان من الفعل، ووزنه:
مُتَفَعِّلٌ، بتشديد العين مثل مُتَكِّلمٌ ومُتَكَبِّرٌ. والمصدر من المدغم: ازَّمل يزَّمل إزِّمالًا فهو مُزَّمِّلٌ.
وقولُه تَعَالى: {رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ}.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ غيرَ حَفْصٍ: «رَبِّ المَشْرِقِ» بالكسرِ بدلًا من قولُه: «واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ».
وقرأ الباقون بالرّفع عَلَى الاستئناف.
وقوله تعالى: {ونصفه وَثُلُثَهُ}.
قَرَأَ نافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ بكسر الفاءِ، والثَّاءِ عَلَى معنى: «أَنَّك تَقُوْمُ أدنى من} {نصفه وثلثه».
وقرأ الباقون: «ونصفه وثلثَه» بالنَّصب عَلَى أنَّك تقوم نصفَه وثلثَه.
وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ خلفٍ، عن عبيد، عن شبل، عن ابن كثير «وثُلْثَهُ» مخففًا وهما لغتان الرُّبْعُ والرُّبُعُ والعُشْرُ والعُشُرُ.
وروى الحُلْوَانِيُّ، عنْ هشامٍ، عنْ ابنِ عامر: «ثلثي الليل» بالتسكين أيضًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الاختيارُ الخَفْضُ فِيْ «نصفِه وثلثِه»، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوْهُ}. قَالَ فكيفَ يقدر عَلَى أَن يعرفوا ثُلُثَهُ ونِصْفَهُ وهم لا يحصونه.
وقال غيره: ليس معنى «لَنْ تَحْصُوْهُ» ما ذَهَبَ إِلَيْه أَبُو عُبَيْدٍ، ولكن معناه: لن تُطيقوه، يعني قيام اللَّيل، فخفف اللَّه تَعَالى ذَلِكَ عليهم، قَالَ: والاختيار النَّصبُ؛ لأنها أصحُّ فِيْ النَّظر. قَالَ الله تَعَالى لنَبِيّه عَلَيْهِ السلام: {قم الليل إلّأ قَلِيْلًا} أي: صلِّ الليلَ إلا شيئًا قليلًا مِنْهُ تَنام فِيهِ، وهو الثُّلثُّ والثُّلث يسيرٌ عند الثلثين، ثُمَّ قَالَ: نصفه، فاكتفى بالفعل الأول من الثَّاني، لأنَّه دليل عَلَيْهِ، وانقص من النُّصف قليلًا إلى الثُّلث، أَوْ