17 · ص17
ومن الملاحظ أن السخاوي في أواخر حياته امتنع عن الإفتاء؛ لأنه يرى كما يقول ١: "إنه التزم ترك الإفتاء مع الإلحاح عليه فيه حين تزاحم الصغار على ذلك، واستوى الماء والخشبة … وقد سبقه للاعتذار بنحو ذلك شيخ شيوخه الزين العراقي، وكفى به قدوة … ".
* أما الإملاء ٢:
فكانت له جهود في هذا المجال، حيث شرع في إملاء تكملة تخريج شيخه للأذكار، ثم أملى تخريج "الأربعين النووية" وغيرها.
وقد بلغت مجالس إملائه ما يقارب (٦٠٠) فأكثر، وقد حضرها لفيف من العلماء وأهل الفضل كـ"النجم ابن فهد" (ت ٨٨٥ هـ) وغيره ٣.
ثم قطع مجالس الإملاء لمَّا عاد للقاهرة من مجاورته المكية (٨٩٥ هـ) والسبب يعود إلى ما ذكره هو بقوله ٤: " … وامتنع من الإملاء لمزاحمة من لا يحسن فيها، وعدم التمييز من جل الناس أو كلهم بين العلمين … ".
* أما القضاء:
فقد عُرض عليه لكنه اعتذر ٥.
١ انظر: الضوء، ٨/ ١٤ - ١٥.
٢ أو ما يُعرف بـ "الأمالي" وهي: أن يعقد العالم مجلسًا وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس،
فيتكلم العالم بما فتح الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليه من العلم ويكتبه التلاميذ فيصير كتابًا. انظر:
حاجي، كشف الظنون، ١/ ١٦١.
٣ انظر: الضوء، ٨/ ١٤.
٤ المصدر نفسه. ولمزيد من التفاصيل عن موضوع الإملاء انظر: بدر العماش، الحافظ السخاوي،
١/ ١١٣ - ١٢٠.
٥ انظر: الضوء، ٨/ ٣٢.
18 · ص18
ولعل السبب يعود لأمرين:
الأول: ما ورد في الأحاديث النبوية في الترهيب فيمن تولى القضاء، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ" أَوْ "مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" ١.
والثاني: هو ما رآه السخاوي عمليًّا من معاناة شيخه الحافظ ابن حجر، حيث يقول السخاوي ٢: "وكان مصممًا على عدم دخوله في القضاء … وصرَّح بأنه جنى على نفسه بتقليد أمرهم … وزهد في القضاء زهدًا تامًّا لكثرة ما توالى عليه من الأنكاد والمحن … ".
* أما مصنفاته:
يعتبر السخاوي جديرًا بالتصنيف، خليقًا بالتأليف، وهو يُعدُّ من أبرز المكثرين من التصنيف في فنون الحديث والتراجم والتاريخ، وقد أذن له شيخه الحافظ ابن حجر بذلك ٣ كشهادة من عالم متبحر خبير بفنون التصنيف.
شرع السخاوي في التصنيف في بداية حياته، وعمره إذ ذاك (حوالي ١٨ سنة) فقد ذكر أنه ٤ "شرع في التصنيف والتخريج قبل الخمسين" أي قبل سنة ٨٥٠ هـ.
وكانت مؤلفاته محط أنظار وثناء العلماء.
١ صحيح. أخرجه الترمذي في "سننه" (١٣٢٥) عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الترمذي "حسن غريب". وقال السخاوي: "وهو صحيح أو حسن". انظر: المقاصد الحسنة، رقم: ١١٠٧.
٢ انظر: الضوء، ٢/ ٣٨.
٣ المصدر نفسه، ٨/ ٦.
٤ المصدر نفسه، ٨/ ١٥.